الأربعاء، 6 يونيو 2012

يوسف القرضاوي-الفن و الغناء من الطيبات


الفن و الغناء من الطيبات
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
سؤال يتردد علي ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة وأحيانًا شتي.
سؤال اختلف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه، واختلف سلوكهم تبعًا لاختلاف أجوبتهم، فمنهم من يفتح أذنيه لكل نوع من أنواع الغناء، ولكل لون من ألوان الموسيقي مدعيًا أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة التي أباح الله لعباده.

ومنهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنيه عند سماع أية أغنية قائلا: إن الغناء مزمار الشيطان، ولهو الحديث ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وبخاصة إذا كان المغني امرأة، فالمرأة -عندهم- صوتها عورة بغير الغناء، فكيف بالغناء؟ ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال.
ومن هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقي، حتي المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار.

ووقف فريق ثالث مترددًا بين الفريقين؛ ينحاز إلي هؤلاء تارة، وإلي أولئك طورًا، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير، الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية، وخصوصًا بعد أن دخلت الإذاعة –المسموعة والمرئية- علي الناس بيوتهم، بجدها وهزلها، وجذبت إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعًا وكرهًا.

والغناء بآلة -أي مع الموسيقي- وبغير آلة: مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولي، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخري.

اتفقوا علي تحريم كل غناء يشتمل علي فحش أو فسق أو تحريض علي معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل علي حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟
واتفقوا علي إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها.
وقد وردت في ذلك نصوص صريحة – سنذكرها فيما بعد.

واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا بينا: فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة، بل اعتبره مستحبًا، ومنهم من منعه بآلة وأجازه بغير آلة، ومنهم من منعه منعًا باتًا بآلة وبغير آلة وعده حرامًا، بل ربما ارتقي به إلي درجة الكبيرة.

ولأهمية الموضوع نري لزامًا علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل، ونلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة، حتي يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام، متبعًا للدليل الناصع، لا مقلدًا قول قائل، وبذلك يكون علي بينة من أمره، وبصيرة من دينه.

الأصل في الأشياء الإباحة: ـ
قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالي: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا) (البقرة: 29)، ولا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالي، أو سنة رسوله –صلي الله عليه وسلم- أو إجماع ثابت متيقن، فإذا لم يرد نص ولا إجماع. أو ورد نص صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء، لم يؤثر ذلك في حله، وبقي في دائرة العفو الواسعة، قال تعالي: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه). (الأنعام: 119).

وقال رسول الله –صلي الله عليه وسلم-: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسي شيئا"، وتلا: (وما كان ربك نسيا) (مريم: 64). رواه الحاكم عن أبي الدرداء وصححه، وأخرجه البزار.
وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" أخرجه الداراقطني عن أبي ثعلبة الخشني. وحسنه الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه، والنووي في الأربعين.
وإذا كانت هذه هي القاعدة فما هي النصوص والأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء، وما موقف المجيزين منها.

أدلة المحرمين للغناء ومناقشتها
استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين: أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالي: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين). (لقمان: 6) وفسروا لهو الحديث بالغناء.
قال ابن حزم: ولا حجة في هذا لوجوه:
أحدها: أنه لا حجة لأحد دون رسول الله -صلي الله عليه وسلم-.
والثاني: أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين.
والثالث: أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها؛ لأن الآية فيها: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا) وهذه صفة من فعلها كان كافرًا بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوًا.

ولو أن امرأ اشتري مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوا لكان كافرًا ! فهذا هو الذي ذم الله تعالي، وما ذم قط عز وجل من اشتري لهو الحديث ليتلهي به ويروح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالي. فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن، أو بحديث يتحدث به، أو بنظر في ماله أو بغناء أو بغير ذلك، فهو فاسق عاص لله تعالي، ومن لم يضيع شيئًا من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن. (المحلي لابن حزم (9/60) ط المنيرية). أ هـ.

واستدلوا بقوله تعالي في مدح المؤمنين: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) (القصص: 55). والغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه.
ويجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو: سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك، وبقية الآية تنطق بذلك. قال تعالي: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) (القصص: 55)، فهي شبيهة بقوله تعالي في وصف عباد الرحمن: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا). (الفرقان: 63).
ولو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه وتمدحه، وليس فيها ما يوجب ذلك.
وكلمة اللغو ككلمة الباطل تعني ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرمًا ما لم يضيع حقًا أو يشغل عن واجب.

روي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له: أيؤتي به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات؛ لأنه شبيه باللغو، قال تعالي: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم). (البقرة: 225، والمائدة: 89).
قال الإمام الغزالي: (إذا كان ذكر اسم الله تعالي علي الشيء علي طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخذ به، فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص ؟!). (إحياء علوم الدين. كتاب السماع ص 1147 ط دار الشعب بمصر).
علي أننا نقول: ليس كل غناء لغوا؛ إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة، والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء: "إن الله لا ينظر إلي صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم". (رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم).

وننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في "المحلي" ردًا علي الذين يمنعون الغناء قال: (احتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ ولا سبيل إلي قسم ثالث، وقد قال الله تعالي: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) (يونس: 32). فجوابنا وبالله التوفيق: أن رسول الله –صلي الله عليه وسلم- قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي" (متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب، وهو أول حديث في صحيح البخاري). فمن نوي باستماع الغناء عونًا علي معصية الله فهو فاسق وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوي به ترويح نفسه ليقوي بذلك علي طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك علي البر فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق. ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلي بستانه، وقعوده علي باب داره متفرجًا، وصبغه ثوبه لازورديًا أو أخضر أو غير ذلك ومد ساقه وقبضها، وسائر أفعاله). (المحلي. 9/60).

جـ- واستدلوا بحديث: "كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه" رواه أصحاب السنن الأربعة، وفيه اضطراب، والغناء خارج عن هذه الثلاثة.
وأجاب المجوزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، فإن قوله: "فهو باطل" لا يدل علي التحريم بل يدل علي عدم الفائدة. فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوي لها علي الحق. علي أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن التلهي بالنظر إلي الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولا شك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، ولا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل.

واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري -معلقا- عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري -شك من الراوي- عن النبي -عليه السلام- قال: "ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر (الحر: أي الفرج والمعني يستحلون الزني). والحرير والخمر والمعازف". والمعازف: الملاهي، أو آلات العزف.
والحديث وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من "المعلقات" لا من "المسندات المتصلة" ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده، ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب، فسنده يدور علي (هشام بن عمار) (انظر: الميزان وتهذيب التهذيب). وقد ضعفه الكثيرون.
ورغم ما في ثبوته من الكلام، ففي دلالته كلام آخر؛ إذ هو غير صريح في إفادة حرمة "المعازف" فكلمة "يستحلون" –كما ذكر ابن العربي- لها معنيان: أحدهما: يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني: أن يكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال: المعني الحقيقي، لكان كفرًا.

ولو سلمنا بدلالتها علي الحرمة لكان المعقول أن يستفاد منها تحريم المجموع، لا كل فرد منها، فإن الحديث في الواقع ينعي علي أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور. فهم بين خمر ونساء، ولهو وغناء، وخز وحرير. ولذا روي ابن ماجة هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بلفظ: "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف علي رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير"، وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه.

هـ- واستدلوا بحديث: "إن الله تعالي حرم القينة (أي الجارية) وبيعها وثمنها وتعليمها".
والجواب عن ذلك:
أولا: أن الحديث ضعيف.
ثانيا: قال الغزالي: المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب، وغناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام، وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محظور. فأما غناء الجارية لمالكها، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث. بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالي عنها. (الإحياء ص 1148) وسيأتي.

ثالثا: كان هؤلاء القيان المغنيات يكون عنصرًا هامًا من نظام الرقيق، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجيًا، فلم يكن يتفق وهذه الحكمة إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي، فإذا جاء حديث بالنعي علي امتلاك "القينة" وبيعها، والمنع منه، فذلك لهدم ركن من بناء "نظام الرق" العتيد.
واستدلوا بما روي نافع أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع ؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتي قلت: لا. فرفع يده وعدل راحلته إلي الطريق وقال: "رأيت رسول الله يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
والحديث قال عنه أبو داود: حديث منكر.

ولو صح لكان حجة علي المحرمين لا لهم. فلو كان سماع المزمار حرامًا ما أباح النبي -صلي الله عليه وسلم- لابن عمر سماعه، ولو كان عند ابن عمر حرامًا ما أباح لنافع سماعه، ولأمر عليه السلام بمنع وتغيير هذا المنكر، فإقرار النبي -صلي الله عليه وسلم- لابن عمر دليل علي أنه حلال.
وإنما تجنب عليه السلام سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا كتجنبه الأكل متكئًا وأن يبيت عنده دينار أو درهم .... إلخ.

واستدلوا أيضًا لما روي: "إن الغناء ينبت النفاق في القلب" ولم يثبت هذا حديثًا عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، وإنما ثبت قولاً لبعض الصحابة، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره، فمن الناس من قال -وبخاصة الصوفية- إن الغناء يرقق القلب، ويبعث الحزن والندم علي المعصية، ويهيج الشوق إلي الله تعالي، ولهذا اتخذوه وسيلة لتجديد نفوسهم، وتنشيط عزائمهم، وإثارة أشواقهم، قالوا: وهذا أمر لا يعرف إلا بالذوق والتجربة والممارسة، ومن ذاق عرف، وليس الخبر كالعيان.

علي أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه علي غيره ويروج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودد إلي الناس ليرغبوا في غنائه. ومع هذا قال الغزالي: وذلك لا يوجب تحريمًا، فإن لبس الثياب الجميلة، وركوب الخيل المهلجة، وسائر أنواع الزينة، والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك، ينبت النفاق في القلب، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرًا (الإحياء ص 1151) .

واستدلوا علي تحريم غناء المرأة خاصة، بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة. وليس هناك دليل ولا شبه دليل من دين الله علي أن صوت المرأة عورة، وقد كان النساء يسألن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في ملأ من أصحابه وكان الصحابة يذهبون إلي أمهات المؤمنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم، ولم يقل أحد: إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة يجب أن تستر.
فإن قالوا: هذا في الحديث العادي لا في الغناء، قلنا: روي الصحيحان أن النبي سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما، وقال لأبي بكر: دعهما. وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين.

والخلاصة: أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح. ولم يسلم حديث واحد مرفوع إلي رسول الله يصلح دليلاً للتحريم، وكل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": لم يصح في التحريم شيء.
وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة.
وقال: ابن طاهر: لم يصح منها حرف واحد.
وقال ابن حزم: كل ما رُوي فيها باطل وموضوع.

أدلة المجيزين للغناء:
تلك هي أدلة المحرمين، وقد سقطت واحدًا بعد الآخر، ولم يقف دليل منها علي قدميه، وإذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء علي أصل الإباحة بلا شك، ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد علي ذلك غير سقوط أدلة التحريم. فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة، وروحه السمحة، وقواعده العامة، ومبادئه الكلية ؟
وهاك بيانها:

أولا: من حيث النصوص:
استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة، منها: حديث غناء الجاريتين في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم- عند عائشة، وانتهار أبي بكر لهما، وقوله: مزمور الشيطان في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم-، وهذا يدل علي أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلي هذا الحد.

والمعول عليه هنا هو رد النبي -صلي الله عليه وسلم- علي أبي بكر -رضي الله عنه- وتعليله: أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنه بعث بحنيفية سمحة. وهو يدل علي وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدي الآخرين، وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه.
وقد روي البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلي رجل من الأنصار فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-: "يا عائشة، ما كان معهم من لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو".
وروي ابن ماجة عن ابن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله فقال: "أهديتم الفتاة ؟" قالوا: نعم قال: "أرسلتم معها من يغني ؟" قالت: لا. فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم .. فحيانا وحياكم ؟!

وروي النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال: دخلت علي قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين. فقلت: أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟! فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس.
وروي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين: أن رجلاً قدم المدينة بجوار فأتي عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فغنت، وابن عمر يسمع، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة، ثم جاء الرجل إلي ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، غبنت بسبعمائة درهم ! فأتي ابن عمر إلي عبد الله بن جعفر فقال له: إنه غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه، فقال: بل نعطيه إياها. قال ابن حزم: فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعي في بيع المغنية، وهذا إسناد صحيح لا تلك الأسانيد الملفقة الموضوعة.

واستدلوا بقوله تعالي: (وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائمًا قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين). (الجمعة: 11).
فقرن اللهو بالتجارة، ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما -بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحًا بها- عن خطبة النبي -صلي الله عليه وسلم-، وتركه قائمًا.
واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه. وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي.
واستدلوا لما نقله غير واحد من الإجماع علي إباحة السماع، كما سنذكره بعد.

وثانيا: من حيث روح الإسلام وقواعده:
لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الفطر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة، والمنظر الجميل لذة العين، والرائحة الذكية لذة الشم ... إلخ، فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال ؟
من المعروف أن الله تعالي كان قد حرم علي بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم علي سوء ما صنعوا، كما قال تعالي: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا. وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) (النساء: 160، 161). فلما بعث الله محمدًا –صلي الله عليه وسلم- جعل عنوان رسالته في كتب الأولين (الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). (الأعراف: 157).

فلم يبق في الإسلام شيء طيب أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله، رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها. قال تعالي: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات). (المائدة: 4).
ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم علي نفسه أو علي غيره شيئًا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده، وليس من شأن عباده، قال تعالي: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالاً قل آلله أذن لكم أم علي الله تفترون) (يونس: 59). وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات، كلاهما يجلب سخط الله وعذابه، ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين، والضلال البعيد، قال جل شأنه ينعي علي من فعل ذلك من أهل الجاهلية: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء علي الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين). (الأنعام: 140).

ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية، حتي إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلي الإصغاء إليه ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم، بل نقول: إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتي قال الغزالي في الإحياء: (من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته علي الجمال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر -لقوة نشاطه في سماعه- المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه. فتري الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتي تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها) .

الخميس، 24 مايو 2012

وثيقة إنجليزية تكشف كيفية سقوط غرناطة


وثيقة إنجليزية تكشف كيفية سقوط غرناطة

كشف الدكتور خوسيه غوميث سولينيو في المؤتمر الثامن عشر للغة والادب والمجتمع الأسباني الذي اختتم أخيرا في مدينة مالقة، جنوب إسبانيا، عن عثوره على وثيقة إنجليزية تؤكد ان سقوط غرناطة الإسلامية والحصار الذي عانت منه المدينة «كان أكثر شراسة مما هو معروف حتى الآن». ومدى الترف والابهة التي تميزت بها القصور الغرناطية والبلاط الملكي، واثر الحصار الذي فرضته القوات الأسبانية على اهالي مدينة غرناطة، حتى اضطرهم إلى أكل الكلاب والقطط، ويخلص إلى ان العرب دفعوا ثمنا باهظا للغاية بسقوط آخر جوهرة لهم في أوروبا.
ويذكر المؤلف ان عدد القوات التي حاصرت غرناطة كان أكبر بكثير من عدد القوات الغرناطية، مخالفا بذلك الرواية المتواترة من أن جيش غرناطة كان كبيرا، وتضيف الوثيقة ان «اهالي غرناطة مروا بمعاناة قاسية خلال اعوام الحصار، وقامت القوات الأسبانية بتحطيم وحرق الحقول المجاورة للمدينة، ما تسبب في مجاعة رهيبة بين سكان غرناطة، ولهذا السبب اكلوا الخيول والكلاب والقطط».
وتتعرض الوثيقة أيضا للكنوز الهائلة التي حصل عليها الأسبان بعد الفتح «ففي مسجد غرناطة كان هناك 300 مصباح من الذهب والفضة.. وعثر ملك اسبانيا على كميات هائلة من الذهب وبها بنى الكنيسة مكان المسجد».
ويذكر المؤلف الإنجليزي ان «الملك فرناندو لم يسمح للمسلمين الا بما يستطيع كل واحد منهم ان يحمله على ظهره من حاجات، ما عدا الذهب والفضة والسلاح»، ولهذا فان الجيش الأسباني وجد عند دخوله المدينة الآلاف من الأسلحة من سيوف ودروع ومناجيق.
ويشير الدكتور غوميث سولينيو إلى ان الوثيقة تذكر ان افتتاح غرناطة تم عام 1491، والصحيح هو 1492، والسبب هو ان السنة الجديدة لدى الإنجليز كان تبدأ في 25 مارس (آذار) وليس الأول من شهر يناير (كانون الثاني).
ويختتم الدكتور غوميث سولينيو بحثه حول تبعات سقوط غرناطة فيقول ان انهيار الحكم العربي في هذه المدينة كان له صدى كبير وواسع جدا ليس فقط في إسبانيا وانما في كل أوروبا، فأقيمت الصلوات في العديد من المناطق.

[عدل]

الأربعاء، 23 مايو 2012

القران و الروح


ألقران والروح
بقلم: زيد علي المهدي

لقراءة افضل, ارجو الضغط على:


من المفاهيم التي يتم استخدامها بصورة متكررة بدون الوقوف عند تعريفها هو مفهوم الروح, اذ يظن الكثير من المسلمين بان الروح هي شئ هلامي موجود في داخل كل انسان وعند موت الانسان تخرج هذه الروح منه. ولكن لانجد في القران اي دلالة او تسمية على ان هناك شئ في داخلنا يسمى الروح, بل على العكس دائما ما يطلق علينا القران لفظة النفس والنفس هي تعبير عن الذات.

"يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9)" البقرة
"وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48)" البقرة
"وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72)" البقرة
"....أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُم...(87)" البقرة
"لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...(286)" البقرة
"فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (25)" ال عمران
"فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)" ال عمران
"وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111)" النساء
"فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (309)" المائدة
"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)" الفجر
"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)" الشمس

وغيرها المئات من الايات التي تذكر النفس والانفس وانفسكم ولا يوجد اي مكان يذكر ارواحكم او ارواحنا او روحه وما شابه.
فماهي او ألاصح, من هو الروح؟

بتتبع ايات القران وترتيلها رتلا واحدا, نجد ان ورود كلمة الروح ووظائفها يكون مشابها ومطابقا للاماكن التي يرد فيها فعل ووظيفة جبريل عليه السلام.

جبريل يختلف عن الملائكة والدليل على ذلك:
"مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98)" البقره 

"...فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)" التحريم
جبريل هو روح من امر الله وهو روح القدس وهو الروح الامين:
"رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)" غافر

"وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52)" الشورى

"وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194)" الشعراء

"قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)" النحل

الكلام عن ما تم تنزيله ومن قام بالتنزيل على قلب محمد هو روح من امر الله وهو الروح الامين وهو الروح القدس.

وفي الاية التالية يتم ربط جبريل بالروح وتبيان انهم كينونة واحدة:
"قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)" البقرة

هنا تأكيد على ان جبريل هو من نزله على قلبك وبالمطابقة مع الايات السابقة اعلاه فان الروح من امر الله والروح القدس والروح الامين هو جبريل نفسه. جبريل الروح يتم انزاله والقاءه على عباد يتم اصطفائهم لينذروا ويبشروا.

الان تأتي الاية:
"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)" الاسراء
الروح من امر الله وهي نفسها الروح من امر الله التي نزّلت القران على قلب محمد...فكانوا يسألونه عن (ماهيّة) الروح, ماهيّة جبريل الذي ينزل عليك القران, شكله, صوته...فأجابهم بانه من امر الله وما اوتيتم من العلم بهذا الكائن الا القليل.

للتأكيد على ان تسمية الروح هي كينونة معينة لها وجودها الخاص بها ننظر الى موضوع النفخ ومن المعني به:
"فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)" مريم
تم ارسال (الروح) وهذا الروح تمثّل كبشر سوي...

"وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (91)" الانبياء

"وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)" التحريم

بعد ان تمثل لها كبشر سوي, قام هذا الروح بالنفخ.

جبريل تم ارساله ثم تمثّل كبشر سوي ثم قام بعملية النفخ (وهذا معنى نفخنا فيها من روحنا)...اي من روحنا تم النفخ...وهذا المفهوم ينطبق على ادم ايضا. فالايات:
"فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29)" الحجر

"ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9)" السجدة

"فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)" ص

كما تم ارسال جبريل الى مريم ونفخ فيها كذلك الحال مع ادم فتم النفخ فيه من الروح جبريل.

للمزيد من الاثبات ان الروح هي كينونه معينة وانها تختلف عن الملائكة وان لها وجودها الخاص بها:

"يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)" النبأ

الروح يختلف عن الملائكة هنا وهو يقف صفا معهم ولا يتكلم...الروح هو جبريل كما تم تعريفه اعلاه.

الايات:
"تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)" الحاقة
"تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4)" القدر

تفريق واضح بين الملائكة والروح تماما كما تم التفريق بين جبريل والملائكة في بداية المقال...هناك اختلاف بينهم.

اما الاية:
"يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ (2)" الحجر

فهي مشابهة لايات القدر والحاقة اعلاه ولكن مع اختلاف وجود الباء في (بالروح) ولم يقل (الملائكة والروح)...المعنى واحد نفسه اي انهم ينزلون سوية ولكن هنا فيها توضيح اكثر الا وهو انهم ينزلون بقيادة الروح (ينزّل الملائكة بالروح).
بعد هذا فهناك احتمال اخر ايضا الا وهو ان ميكال هو روح ايضا وهو بمرتبة جبريل وقد تم تفريقه عن الملائكة كما تم تفريق جبريل.
اما بالنسبة لنا, فنحن مجرد انفس ولسنا ارواح وحتى معنى (نفخت فيه من روحي) معناها كمعنى النفخ في مريم, اي ان الروح كانت الواسطة في عملية النفخ.

اما بالنسبة للاية التالية, فقد يتسائل البعض ويقول: لكنه يقول بان المسيح هو كلمة الله وروح منه القاها الى مريم فكيف يكون الروح هو جبريل في حين ان عيسى هو الروح؟

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171)" النساء

فرأيي ان الاية لا تتحدث عن ماهية الروح ولا عن كيفية ايجاد عيسى ولكنها خطاب الى اهل الكتاب ليوضح لهم الفرق بين الثلاثة, المسيح والروح والله, اذ ان تكملة الاية هي لتوضيح ان الله ليس ثالث ثلاثة فيبدأ بالتعريف:
انما:
1- المسيح هو رسول الله والمسيح ايضا كلمة من الله القاها الى مريم
2- الروح كذلك القاها الى مريم (روح منه القاها على مريم ايضا)
3- الهكم فاله واحد سبحانه ان يكون له ولد
ولا تقولوا ثلاثة (المسيح + الروح + الله)

لم يقل ان المسيح كلمته وروح منه القاها الى مريم بحيث يظن القارئ ان (روح منه) تعود على المسيح ولكن قال (كلمته القاها الى مريم وروح منه), فال(روح منه) تعود على (القاها الى مريم) ولا تعود على المسيح.

(كلمته القاها الى مريم وروح منه) تطابق في فعل الالقاء هنا:
"رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)"

عيسى تم تأييده بالروح ولهذا نجد عمليات النفخ في الطير واخراج الموتى وابراء الاكمه والابرص.

"...وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ...(87)" البقرة

"...وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ...(253)" البقره

"...إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي...(110)" المائدة


نشرت بتاريخ 13-10-2011
عُدِّلَت بتاريخ  29-10-2011
زيد علي المهدي

ماهية التشريع الطلاق


مقدمة
هناك لغة مشتركة بين تشريع الطلاق فى الفقه السلفي وتشريعه فى العصر الجاهلى تتمثل فى أن الرجل يملك أن يطلق زوجته أو زوجاته بمجرد كلمة, وفى أدبيات العصر الجاهلى أن أشهر طبيب عربى وهو الحارث بن كلدة حين استقذر امرأته فقال لها (كنتى فبنتى) أى كنتى زوجة فأصبحتى بائنا أى مطلقة بينونة قاطعة, فخرجت من بيته وانتهت علاقتها به . 
وهذا التشريع الجاهلى ألغاه القرآن الكريم فى تشريعاته التفصيلية فى الطلاق, ولكن ما لبث الفقه السلفي أن تجاهل تشريع القرآن الكريم وأرجع التشريع الجاهلى الذى يؤكد على حق الرجل فى التطليق بكلمة دون شهود, وتحت هذا الإطار اختلفوا فى فروع كثيرة.

تشريع الطلاق فى القرآن : 
 الطلاق هو لمحاولة التوفيق بين الزوجين 
عكس الفقه السلفي فإن رعاية الأسرة هى المقصد التشريعى الأساسى لمعظم تشريعات القرآن الاجتماعية عموما. وفى تشريعات القرآن الكريم فى الطلاق فإن هناك حقيقة قرآنية أغفلها جهل أئمة الفقه السلفي, وهى أن الطلاق لا يعنى نهاية العلاقة الزوجية, بل هو مرحلة انتقالية لمحاولة إعادة الحياة إلى مجاريها بين الزوجين المتنازعين. الطلاق فى التشريع القرآنى ليس لقطع الزواج وإنهائه بل هو مجرد مرحلة فى العلاقات الزوجية تسبقه وتتلوه مراحل. الطلاق فى تشريعات القرآن ليس نهاية المطاف لأنه مرحلة لمحاولة التوفيق بين الزوجين فإذا تعذر التوفيق أصبح الطلاق انفصالا كاملا أو مفارقة أو سراحا أو تسريحا للمرأة أى إطلاقا لسراحها. والطلاق أيضا فى تشريعات القرآن مسبوق بعدة أحكام مماثلة تسهم كلها فى استقرار الأسرة وتدفع عنها عوامل الإنهيار. وتدعيم الأسرة هو المقصد. هذا يستلزم توضيحا مختصرا بقدر الامكان.

ما قبل الطلاق  
القواعد التشريعية الأساسية فى التعامل بين الزوجين تتجلى فى آيتين فى سورة النساء (19 و34) وهما باختصار شديد:

1- قوامة الرجل أى مسئوليته عن الزوجة ورعايته لها, وتتحقق هذه القوامة بقيامه بالانفاق عليها بعد أن دفع صداقها. يقول تعالى: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله" (النساء 34)
بدون الانفاق لا تكون للرجل قوامة على الزوجة إلا برضاها واختيارها. كما أن للزوجة أن تشترط أن تكون العصمة بيدها, أو أن تكون لها القوامة على الرجل. إن عقد الزواج مجال للتفاوض بين الطرفين يضع فيه كل طرف ما يعبر مكانته ومقدرته, وما يتم الاتفاق عليه فى العقد يصبح سارى المفعول طبقا لأمر الله تعالى للمؤمنين فى أول سورة المائدة بالوفاء بالعقود.

2- معاملة الزوج للزوجة بالمعروف حتى ولوكان كارها لها. يقول تعالى: " وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا" (النساء 19)
وفى إطار تلك القاعدتين التشريعتين نفهم تشريع القرآن فى إصلاح الشقاق بين الزوجين. فقد يكون السبب من الزوجة( نشوز الزوجة ) أو من الزوج ( نشوز الزوج ) أو منهما معا ( الشقاق بين الزوجين ). 
وفى كل حالة وضع القرآن الكريم علاجا مناسبا غفل الفقه السلفي عن تدبره والاتعاظ به.

أولا: نشوز الزوجة هو اعتدائها على زوجها, هنا تبدأ المشاكل وتتكاثر لتحول البيت الهادىء الساكن الى أصوات نشاز. يقول تعالى فى وصف الزوجات الفاضلات والزوجات النواشز المستحقات للتهذيب:  "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" (النساء 34)
فإذا خاف الزوج اعتداء زوجته عليه فعليه, فى ضوء مسئوليته عنها ومعاملته لها بالمعروف وحرصه على دوام العلاقة الزوجية واستقرار البيت, بأن يعالج ذلك الاعتداء بالوعظ أولا, ثم ثانيا بالهجر فى المضاجع, وأخيرا بالضرب. وهو هنا يتعامل أساسا بتقوى الله تعالى لأنه إذا ظلمها كان الله تعالى خصما له حيث يقول تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" (النساء 34)
بإمكانها إذا كانت تكرهه وتريد أن تتركه أن تفتدى منه بأن ترد إليه المهر أو جزءا منه حسبما يقع عليه الاتفاق, وهو ما يعرف عند الفقهاء بالخلع. فكما أن الطلاق من حق الرجل فإن الافتداء ( بالمصطلح القرآنى ) أو الخلع ( بالمفهوم الفقهى ) من حق المرأة.
لكننا هنا مع زوجة ينفق عليها زوجها ويرعاها ويتقى الله تعالى فى معاملتها وهى لا تريد الانفصال عنه, وبدلا من أن ترد له حسن المعاملة والرعاية بالمثل فإنها تنشز عليه وتحيل حياته إلى موسيقى نشاز من الشجار والمشاكل. فى هذه الحال عليه إصلاحها بالطرق الثلاثة المشار إليها. 
نؤكد ثانيا على أن هذا كله فى إطار الزوجة التى دفع زوجها صداقها وله عليها القوامة بإنفاقه عليها. وهناك حالة أخرى للزوجة التى تشترط أن تكون العصمة بيدها أو تشترط أن تكون لها القوامة بأموالها وجاهها, وتصيغ عقد الزوجية على هذا الأساس فيصبح لازما لأن المؤمنين مطالبون بالوفاء بالعقود (المائدة:1) كما أن هناك حالة أخرى للزوجة التى تنفر من زوجها وتريد الانفصال عنه وهذا ميسور لها إذا افتدت نفسها منه بأن تدفع له ما أخذته منه من مهر أو بما يتفقان عليه من فدية تدفعها مقابل الإنفصال ( البقرة:299) . 

لا ضرب للمرأة في القرآن الكريم
القرآن الكريم لا يأمر بضرب المرأة حيث يقول تعالى: "وعاشروهن بالمعروف" (النساء 19) لكن إذا قامت المرأة للاعتداء على زوجها فمن حق زوجها الدفاع عن نفسه وهذا حق إنساني أصيل. والقرآن الكريم عندما يقول "واضربوهن" فإنه فقط يتحدث عن المرأة الناشز حيث يقول تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن" والنشوز هو القيام إلى شئ وهو كناية عن الضرب هنا, ومع هذا لم تأمر الآية بأن يضرب الرجل زوجته التي تضربه حفاظا على تبقى من تماسك الأسرة بل أمره أولا بوعظها فإن لم تستجب فبهجرها في الفراش فإن لم تستجب فبضربها دفاعا عن نفسه من ضربها.

الكارهون للإسلام تجاهلوا ما جاء فى عشرات الآيات الأخرى من حفظ لحقوق المرأة ورعاية لها, وأن هذا الحفظ والرعاية لا يعنى الحصانة المطلقة للمرأة من التوجيه والتهذيب إذا كانت محتاجة لذلك, ومتجاهلين أن الحقوق لا بد أن تقابلها واجبات, ولا نريد الخوض فى المزيد مما يخرج عن موضوعنا, ومتناسين ما يحدث الآن من انتهاك لحقوق المرأة وضرب لها فى أرقى المجتمعات سواء كانت زوجة شرعية أو فى ظل معاشرة مستمرة بدون سقف الزواج الشرعى الذى يحمى المرأة ويصون كرامتها وآدميتها فى شبابها وشيخوختها, ومتناسين أن هذه التشريعات القرآنية المتقدمة فى رعاية المرأة سبقت العصر الذى نزلت فيه, وكانت ثورة تشريعية فى المجتمع البدوى العربى الذى لا يرى فى المرأة إلا مجرد متاع مملوك للرجل, والدليل أن الفقه السلفي نفسه جاء متسقا مع ثقافة العصور الوسطى فى ظلم المرأة وانتهاك حقوقها فـأتيح له التطبيق بينما تجاهل معظم المسلمين تشريعات القرآن عن المرأة لأنها كانت تتناقض مع ثقافة العصور الوسطى السائدة, وهم أيضا تجاهلوا أن الفقه السلفي ذاته مع قسوته على المرأة فقد كان أرحم بها من ثقافة الأروربيين فى العصور الوسطى, وأن المرأة الغربية حتى فى عصرنا لا تزال أقل حقوقا مما يتيحه لها القرآن الكريم.

ثانيا: نشوز الزوج هو بأن تشكو الزوجة من مجرد إعراضه عنها أو انشغاله عنها أو بالتعبير المصرى شديد الدلالة " مش بيديها وشه ", فعليها وعليه معا أن يعقدا بينهما صلحا يقوم على أساس التخلى عن الأنانية وشح النفس حيث يقول تعالى: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا" (النساء 128)
الملاحظ هنا أن إعراض الزوجة عن زوجها لا يعتبره القرآن الكريم نشوزا, لأن نشوز الزوجة هى أن تعتدي عليه وهو ما يستدعى أن يتدخل لإصلاحها بالطرق الثلاثة السالفة, وهو الزوج الذى يتقى الله تعالى فى تعامله معها فلا يظلمها ولا يقصر فى حقوقها. نشوز الزوج هو مجرد إعراضه عن زوجته, لأن من حق الزوجة على زوجها أن يقبل عليها بوجهه ويوليها اهتمامها, فإذا تجاهلها أو أهملها أو فقد اهتمامه بها كان ذلك نشوزا منه لا بد من علاجه بجلسة مصارحة حميمة يتعهد فيها الطرفان بالتخلى عن الأنانية أو بالتعبير القرآنى "شح النفس" وهما إذ يفعلان ذلك لا بد أن يتذكرا أن رب العزة جل وعلا شاهد عليهما باعتبارهما مسئولين أمامه على حفظ بيتهما ورعايته. 

ثالثا: وإذا تحول النشوز الى شقاق بينهما معا أصبح على المجتمع أن يتدخل فى صورة القضاء, بانتخاب ممثل عن الزوج وممثل عن الزوجة يريدان الاصلاح بين الزوجين والتوفيق بينهما حيث يقول تعالى: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا" (النساء 35). الله تعالى هنا وضع مسئولية الاصلاح على الحكمين, مؤكدا أنهما معا إذا أرادا بإخلاص صلح الزوجين جاء توفيق الله تعالى مؤكدا على صدق نيتهما فى الصلح. والمعنى أن إرادتهما الاصلاح يتبعها توفيق الله فى عقد الصلح, والمعنى أيضا أن الفشل هو مسئولية الحكمين. 

قد يكره الرجل زوجته ولا يتمثل وصية الله تعالى فيها فلا يعاملها بالمعروف(النساء 19) وقد يصل فى كراهيته له إلى درجة الظلم والضرب تعديا ناسيا قوله تعالى: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" (النساء 34) وينسى تهديد الله تعالى له إن هو ظلمها. هو هنا مستحق لعقاب رب العزة فى الدنيا والآخرة. 
وقد يصل فى نسيانه لأوامر ربه وكراهيته لزوجته إلى الإيلاء, وهو هجر الزوجة جنسيا وإهمالها كليا بحيث يكون الفراق واقعيا فى إطار زواج شكلى. هنا يتدخل تشريع القرآن ليفرض على الزوج مهلة أربعة أشهر عليه أن يعود لزوجته ويعطيها حقها فى الجنس, وإلا فالطلاق حيث يقول تعالى: "للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم" (البقرة 226-227) طبعا تطبيق هذا التشريع يعنى لجوء الزوجة للقاضى فى دولة تطبق شرع الله تعالى الحقيقى فى القرآن وليس تشريع فقهاء الظلم. وعلى القاضى أن يحكم عليه إما أن يستأنف علاقته الجنسية بها أو يطلقها. 
ومع ذلك فإن هذا الطلاق ليس نهاية المطاف. إنه هدنة لاستئناف الحياة الزوجية وإصلاحها, أو مقدمة لانهائها.

مراحل الطلاق فى التشريع القرآنى 
كما أن للمجتمع دورا فى الإصلاح بين الزوجين إذا حدث بينهما شقاق ( النساء 35 ) أو إذا هجر الزوج زوجته لدرجة الإيلاء ( البقرة226- 227) فإن للمجتمع دورا فى الطلاق بحيث يكون على الطلاق إشهاد من المجتمع يتمثل فى وجود شاهدى عدل, أى إثنين من الشهود يمثلان المجتمع, أى يقوم المجتمع بمنحهما مصداقية رسمية ليكونا شهودا رسميين يمكن استدعاؤهما بواسطة الزوجين أو أحدهما لضبط موضوع الطلاق وما قد يترتب عليه, وذلك معنى قوله تعالى فى سورة الطلاق: "وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا" (الطلاق 2)

وإجراءات الطلاق كالأتى:

الطلاق الأول: 
1- إذا أراد الزوج الطلاق فعليه بالإشهاد على الطلاق فكما تزوج بشاهدى عدل فعليه أن يطلق بشاهدى عدل, فيستحضر الشاهدين ويعلن أمامهما أن زوجته طالق.

2- وهنا يوجب القرآن أن تظل الزوجة فى بيتها وهو بيت الزوجية طيلة مدة العدة. ويحرص القرآن الكريم على التأكيد على أن تلك الزوجة المطلقة لا تزال فى بيتها, وينسب ملكية البيت لها حتى مع وقوع الطلاق, ويحرم أن يطردها زوجها من بيتها مطلقا إلا فى حالة واحدة وهى ضبطها متلبسة فى واقعة زنا مثبتة, وتلك حدود الله التى نص عليها القرآن الكريم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" (الطلاق 1).
وقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) يعنى أن مدة أو فترة الطلاق هى مدة أو فترة العدة التالية لوقوع الطلاق أمام الشاهدين. وفى فترة الطلاق والعدة لا يجوز على الإطلاق طرد المرأة من بيتها إلا فى حالة إثبات الزنا عليها. 

3- وهى فى فترة العدة تعتبر زوجته يجوز له أن يعاشرها جنسيا, وإذا عاشرها جنسيا فقد زال موضوع الطلاق وأصبح كأن لم يكن, وعادت بينهما الحياة إلى مجاريها بدون أية آثار جانبية, عليهما فقط إشعار الشاهدين بأن الموضوع زال وانتهى. 

4 -ومدة العدة التى تظل يها المطلقة فى بيت زوجها هى للمرأة العادية ثلاث حيضات تطهر منهن كى تتأكد إن كانت حاملا منه أم لا, ويحرم القرآن عليها أن تكتم حملها أو تخفيه ( البقرة 228 ) فإن لم تكن تحيض أصلا أو بلغت سن اليأس فمدة عدتها ثلاث أشهر. فإذا ظهرت براءة الرحم من الحمل انتهت عدتها بمرور ثلاث حيضات أو ثلاثة أشهر, أما إذا ظهر أنها حامل فإن عدتها تستمر إلى أن تضع حملها وبعده تنتهى عدتها بخلو رحمها ( البقرة 228 والطلاق 4 ) 

5- وبانتهاء عدة المطلقة وهى فى بيتها مع زوجها, وبدون أن يعاشرها جنسيا ويتصالحا, تنتهى مرحلة الطلاق أو تصل مدة الطلاق الى نهايتها, وتدخل الزوجة والزوج فى وضع جديد أمام الشاهدين.

6- يأتى الشاهدان فى نهاية فترة الطلاق ( العدة) ويقومان بتخيير الزوج بين شيئين:
(ا) إما أن يتمسك بالزواج ويحتفظ بالزوجة ويتعهد أمام الشاهدين بمعاملتها بالمعروف وألا يكون دافعه للتمسك بها هو للاضرار بها, فإن فعل رجعت الحياة الزوجية بينهما إلى مجاريها ولكن تحسب عليه أمام الشاهدين أنه قام بتطليق زوجته طلقة, وتظل تلك الطلقة ترفرف فوق رؤوسهما. 
(ب) وإما أن يتمسك بالانفصال التام عنها, وحينئذ يتحول الطلاق إلى فراق نهائى أو سراح, وحينئذ تخرج من بيته الذى لم يعد بيتها, وتصبح حرة يمكن أن تتزوج بمجرد خروجها من ذلك البيت, فقد انتهت عدتها وانتهت مرحلة طلاقها بانتهاء العدة داخل بيتها دون أن يلمسها ودون أى محاولة للاتفاق والصلح. بخروجها تبدأ مرحلة جديدة تتزوج من تشاء بعقد جديد ومهر جديد حتى لو كان زوجها السابق. 

7- ويحرم القرآن أن يتمسك الزوج بزوجته ليوقع بها الضرر, ويحذر الله تعالى من ذلك أشد التحذير: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم" (البقرة 231) الواضح هنا أن ثلث الآية فقط جاء فى التشريع, وهو أنه إذا بلغت فترة الطلاق نهايتها فعلى الزوج أن يختار بين الاحتفاظ بها بالمعروف, أى بالعدل والإنصاف والإحسان, أو يفارقها أى ينفصل عنها بالمعروف, مع التحذير من الله تعالى من أن يحاول الزوج الاحتفاظ بها للاضرار بها. بعد هذا التشريع تتالت عبارات التحذير والوعظ والتنبيه على التقوى والخوف من الله تعالى. كل ذلك لرعاية حقوق المرأة. 

8- كما يحذر الله تعالى من عضل الزوجة بعد إنتهاء العلاقة الزوجية بأن يمنعوها عن الزواج: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون" (البقرة 282)
أى أنه بمجرد خروجها يكون من حقها الزواج ممن يعرض الزواج عليها حتى لو كان زوجها السابق. ويحرم الله تعالى على ولى أمرها أو أى شخص آخر أن يمنعها من حقها فى الزواج طالما تراضيا بالمعروف, أى المتعارف على أنه خير وعدل واحسان ومناسب للطرفين. وكالعادة يأتى معظم الآية فى التحذير والوعظ حتى يلتزم المسلمون بتنفيذ هذا التشريع وحفظ حق هذه المرأة وألا يعضلها أحد, أى يمنعها من الزواج.

الخلاصة:
أنه بمجرد أن يختار الزوج الفراق وإطلاق سراح الزوجة بعد إتمام عدتها فى بيته فإن الزوجة تخرج من بيتها وهى بريئة الرحم من أى شبهة حمل, وتستطيع الزواج بعدها مباشرة بمن تشاء. وحتى لو أراد الزوج السابق أن يرجع إليها فلن يتمكن إلا بعقد جديد وصداق جديد . 
وهنا يكون الطلاق مجردمرحلة, هى مرحلة العدة, يأتى بعدها الإنفصال التام وهو الفراق أو السراح. 
ويكون الطلاق أيضا مجرد مرحلة لإعادة الوئام فى حالتين إذا حدث صلح أو مجرد لقاء جنسى بين الزوجين أثناء العدة, وهنا تكمن الحكمة فى وجوب أن تظل الزوجة فى كنف زوجها وفى بيتها أى بيته, ينفق عليها ويرعاها فإذا حدث الصلح انهار موضوع الطلاق من أساسه كأنه لم يكن, أما إذا استمرت القطيعة بينهما إلى انتهاء العدة وجاء الشاهدان وتم تخيير الزوج فاختار إمساك الزوجة حينئذ يكون الطلاق إيضا طريقا لاستبقاء الحياة الزوجية ولكن تحلق فوق رأسيهما تلك الطلقة السابقة التى يعرفها الشاهدان والمجتمع والناس. 

الطلاق الثانى 
فإذا عادا إلى النزاع والشقاق وعزم على تطليقها للمرة الثانية, فعليه أن يسير فى نفس الاجراءات, استحضار الشاهدين وإعلان الطلاق أمامهما, وتظل فى بيته فترة العدة, فإذا تصالحا قبل انتهاء العدة, أى مدة الطلاق, أصبح الطلاق الثانى لاغيا ويبلغا الشاهدين بانتهاء الطلاق وإلغائه قبل تمام العدة وقبل احتساب طلقة عليهما. أما اذا استمرا بدون صلح وبدون مراجعة إلى أن تنتهى عدة الطلاق أو أجل الطلاق وحضر الشاهدان يتم تخيير الزوج بين إمساكها بالمعروف أو فراقها بالمعروف, فإذا اختار إمساكها كانت عليه طلقة ثانيا واستأنفا حياتهما الزوجية. أما إذا اختار فراقها خرجت من بيتها وأصبح من حقها الزواج. يقول تعالى عن الطلاق الأول والطلاق الثانى: "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح يإحسان" (البقرة 229) أى فى كل مرة من المرتين يتم تخيير الزوج بين أن يمسكها بالمعروف أو أن يفارقها بالاحسان. ويختلف الأمر فى الطلاق الثالث حيث لا يستطيع الاحتفاظ بها وإرجاعها لعصمته إلا بعد أن تتزوج شخصا آخر ثم تطلق من ذلك الشخص الآخر. 

الطلاق الثالث 
ونفترض أنه أمسكها بعد الطلقة الثانية واستأنفا حياتهما الزوجية للمرة الثالثة, ولكن احتدم الشقاق بينهما كالعادة وأراد أن يطلقها للمرة الثالثة, فإن الاجراءات تتم كالسابق من حضور الشاهدين ليسمعا إعلان الطلاق, وبقاء الزوجة فى بيت الزوجية إلى أن تتم عدتها. ولكن بعد أن تتم العدة لا يكون له حق الخيار, إذ تخرج من بيته وتتزوج من تشاء إلا هو, إذ لا يستطيع أن يتزوجها إلا بعد أن تتزوج شخصا أخر, ثم يطلقها ذلك الشخص الأخر ويتم الانفصال النهائى بينهما بالفراق أو السراح بانتهاء فترة الطلاق أو العدة. بعدها يمكن للشخص الأول أن يسترجعها بعقد جديد حيث يقول تعالى: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون" (البقرة 230)

الخلاصة: 
ومن هنا يتضح أن اجراءات الطلاق يمكن أن تؤدى إلى إعادة الحياة الزوجية إلى مجاريها كما يمكن أن تؤدى إلى الفراق النهائى, وذلك معنى قوله تعالى: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" (الطلاق 1) أى أن آلية الطلاق تشمل إحصاء مدة العدة وهى تعيش فى كنف زوجها أو بتعبير القرآن فى (بيوتهن) ثم إذا تمت العدة وبلغ الأجل يكون التخيير حيث يقول تعالى: "فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم" (الطلاق 2) ويقول أيضا: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف" (البقرة 231) ولعل الله تعالى يحدث أمرا فتعود الحياة لمجاريها, وإلا خرجت بعد انقضاء العدة امرأة حرة صالحة للزواج بعدها بدقائق.

ما بعد الطلاق.
وفى كل الأحوال فالتشريع القرآنى يحرص على أن يكون إمساكها بمعروف وإطلاق سراحها بمعروف كما كان يحرص على أن تكون معاشرتها الزوجية بالمعروف. كما يحرص على سداد متعة طلاقها أيضا بالمعروف, وحقوق الرضاعة إذا كانت مرضعة لطفلها يكون أيضا بالتراضى وبالمعروف. وكلها حقوق للمرأة يؤكد عليها تشريع القرآن مثلما أكد من قبل على حقوقها فى الصداق وفى المؤخر (البقرة 229 و231 و233 و236 و241 والنساء 19 والأحزاب 49 والطلاق 2)

متعة الطلاق 
إذا طلق زوجته قبل الدخول بها وبدون أن يكون لها شرط مفروض فى عقد الزواج , أى مؤخر صداق, فليس الزوج مطالبا بالاجراءات السابقة ولا بالمؤخر. عليه فقط أن يدفع لها متعة, أى مبلغا من المال, تتمتع به مقابل طلاقها وانفصالها عنه. 
هذه المتعة المالية حق للمطلقة حتى لو لم يدخل بها الزوج ولم تكن قد فرضت لنفسها مؤخر صداق. هذه المتعة يمكن تقديرها حسب حالة الرجل المالية حيث يقول تعالى: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين" (البقرة 236)
وإذا طلق زوجته قبل الدخول بها ولكن كان قد فرض لها مؤخر صداق فعليه أن يدفع نصف المؤخر المفروض عليه فى عقد الزواج, إلا إذا تنازلت المرأة أو ولى أمرها عن حقها فى نصف المؤخر. ويدعو رب العزة إلى إيثار العفو والتسامح والفضل فى هذه القضية لتصفو النفوس حيث يقول تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير" (البقرة 237)
وفى كل الأحوال فلا بد للمطلقة من متعة طلاق, سواء كان الطلاق بدون عدة, إذا لم يدخل بها, أو كان الطلاق بعد الدخول وانتهى إلى فراق وانفصال. كل مطلقة انتهت علاقتها بزوجها لها متعة طلاق حيث يقول تعالى: "وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين" (البقرة 241) ويقول الله تعالى, بعد أن جاء بالتفصيلات الخاصة بالطلاق وغيره, يخاطب المسلمين بأهمية هذا الشرح والبيان والتفصيل فى تشريع القرآن الكريم: " كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون" (البقرة 242) لكن فقهاء السلف لم يعقلوا بيان الله تعالى فى القرآن الكريم.

نفقة المطلقة
نفقة المطلقة تعنى الطعام والملبس والسكن وسائر النفقة المعتادة لها باعتبارها زوجة لزوجها الذى ينفق عليها. هذه النفقة تجب للمطلقة أثناء إقامتها فى بيت الزوجية الذى هو بالتعبير القرآنى بيتها هى. وتستمر هذه الإقامة مدة العدة التى هى مدة الطلاق, فإذا كانت حاملا استمرت عدتها ومدة الطلاق إلى أن تضع مولودها واستمرت النفقة طيلة هذه المدة. فإذا وضعت طفلا وانتهت عدتها بالوضع خرجت من بيته ولكن يكون على المولود له نفقة الرضاع والرضيع ونفقة المطلقة المسرحة المنفصلة عن زوجها السابق طالما كانت ترضع الطفل. وطالما ظل الطفل فى حضانتها فعليه نفقة الطفل مع انتهاء النفقة للأم. 
يقول الله تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير" (البقرة 233)
مع أن سياق الحديث عن المطلقات إلا أن التعبير القرآنى جاء بوصف (الوالدات) ليجعل التشريع عاما للمطلقة والزوجة العادية وليؤكد أن المطلقة إذا ولدت لزوجها فلها نفس حقوق الزوجة فى موضوع الرضاعة, بأن ترضعه سنتين كاملتين إذا أرادت أن تعطيه حقه التام فى الرضاعة الطبيعية, وفى النفقة على الأم والرضيع, إذ تشمل النفقة سائر ما تحتاجه الوالدة ورضيعها مع الكسوة طيلة العامين, وأن يتم تقدير المتعة بالمتعارف على أنه عدل ومناسب لحال الرجل بحيث لا يحدث إضرار بالرجل الأب أو بالأم الوالدة, فإذا مات الوالدان أو أحدهما كان على الوارث القيام بالمسئولية نفسها. وإذا جاء وقت الفطام وانفصال الطفل عن صدر أمه والكف عن الرضاع فإن تحديد هذا الوقت يجب أن يكون بالتراضى والتشاور بين الأب والأم. وإذا أراد الأب أن يؤجر مرضعة للوليد فلا بأس إذا كان ذلك بالمعروف, وفى كل الأحوال فالله تعالى يراقب الجميع وعليهم أن يتقوه ويخشوه.
وفى تفصيلات أخرى يقول تعالى فى التأكيد على أن حقوق المطلقة فى النفقة تساوى حقوق الزوجة العادية وبنفس المستوى الذى يعيش فيه زوجها, ويحرم رب العزة التضييق فى النفقة على المطلقة والاضرار بها ويؤكد على تدخل المجتمع ممثلا فلى الهيئات المختصة حيث يقول تعالى: "أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى" (الطلاق 6), هنا دعوة للمجتمع أو من يمثل المجتمع فى عقد مؤتمر أو جلسة للفصل فى هذه الموضوعات طبقا للمعروف المتعارف على أنه حق وخير وعدل ويسر وتيسير . 
وفى نفس الوقت يترفق رب العزة بالرجل فيؤكد على أن تكون النفقة على قدر قدرته المالية, مشجعا إياه على أن يكون كريما فى النفقة مع إعساره على وعد بأن يجعل الله تعالى عسره يسرا. فى هذا المجال يقول ربى جل وعلا: " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا" (الطلاق 7)
وفى هذا دعوة ضمنية تؤكد على ما أشرنا له من قبل وهو أن آيات التشريع القرآنى دائما تدعو إلى مراعاة التقوى وأهمية أن يتعامل المؤمن مع ربه مباشرة فيخشاه وحده ويتقيه وحده, وبذلك يقوم بتطبيق هذا التشريع ويعطى حق المرأة وهى الطرف الضعيف المعرض للظلم دائما, لذا كان على الطرف الأقوى وهو الرجل أن يتذكر من هو أقوى منه وهو رب العزة جل وعلا فيتقيه ويخشاه ويطمع فى فضله وفى رزقه.

أخيرا
1- كما قلنا فإن الملاحظ بوجه عام فى كل التشريعات الخاصة بحقوق الزوجة أن الله تعالى يخاطب ضمير الرجال ويحذرهم بكل الأساليب من إيقاع الضرر بالزوجة, إذا كان الزوج يكرهها أو يضربها ظلما أو يريد إستبقائها (كالأرض الوقف) أويمنعها حقها فى المتعة الجنسية, أو كان يريد منعها عن حقها فى الزواج أو العودة لزوجها. بل إن بعض الآيات, كما قلنا من قبل,  يأتى ثلثها فقط فى الحكم التشريعى ويأتى ثلثا الآية فى الوعظ والتحذير (البقرة231) ونحو ذلك فى نفس الموضوع فى سورة الطلاق (آية 2 و3 ) كما تكرر نفس المنهج فى النهى عن عضل النساء ( البقرة232) 
كما أن حرص التشريع القرآنى على حقوق المرأة يتجلى أيضا فى جعل المجتمع شاهدا وحكما ومراقبا وقاضيا فى كل المشاكل التى تحدث بين الزوجين إذا عجزا عن معالجة النشوز بينهما وتحول النشوز إلى شقاق وصراخ يستدعى تدخل المجتمع وسلطته المخولة بإصلاح الأسرة وحماية المرأة. ورأينا تدخل المجتمع فى موضوع الإيلاء وفى الإشهاد فى مدة الطلاق والعدة, وفى تحول الطلاق إلى انفصال وفراق وسراح, وتدخل المجتمع فى الآثار الجانبية للانفصال والطلاق من تقدير للمتعة والنفقة وسائر حقوق المرأة والمولود, وسريان ذلك كله بالمعروف والاحسان . 
ومن أسف أن بعض المجتمعات المتحضرة, كما فى أمريكا, قد سنت مثيلا لهذه التشريعات القرآنية فى قوانينها لحماية الأسرة وعلاج المشاكل النفسية والاجتماعية بين الزوجين, ومناصرة الزوجات المظلومات إلخ. بينما أضاع الفقه السلفي وأئمته كل هذا الاعجاز القرآنى فى التشريع, والسابق لأوانه.

2 - إن حرص التشريع القرآنى على القسط مع النساء لا يعدله إلا حرص فقهاء العصور الوسطى على ظلم المرأة. وإذا كان الإسلام قد كفل حقوق المرأة فى أشد العصور الوسطى ظلاما وفى أكثر بقاع الأرض وحشية وجاهلية فإن المسلمين السلفيين فى عصر حضارتهم ما لبثوا أن أضاعوا تشريعات القرآن الكريم بما قاله أئمة الفقه السلفي. بدأ ذلك بالإمام مالك ثم الشافعى ثم ابن حنبل والبخارى ومسلم وأشباههم, وأرسوا ظلما للمرأة المسلمة لا يزال سائدا ومستمرا ومطبقا بدليل الاستغراب الذى يصاحب القارىء لهذا المقال. 
لقد جاءت تفصيلات الكتاب العزيز تغطى كل المطلوب فى موضوع الحياة الزوجية والطلاق والفراق والسراح وحقوق المرأة فى أقل من عشرين آية فقط شديدة الوضوح لكل من أقبل على القرآن الكريم بعقل مفتوح يريد الهداية والتعلم منه.