الأربعاء، 7 أغسطس 2013

عبد المالك الشملالي-هل يحق للرسول أن يعين خليفة ؟

 المؤمن  حين  يخوض  تجربته  الإيمانية ، ويشرع  في  تقمص  طباع  العبودية ، ويجتهد  في  الإنسلاخ  من  نفسه  وأمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، ومن  أفكاره  التي  تتوالد  من  أمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، ويجتهد  في  تبصره  لإرادة  الله  وقوته  القاهرة  التي  ترغم  كل  شيء  ولا  يقف  شيء  أمامها ، حتى إذا  أبصرها  وظهرت  له  مظهر  العين ، اجتهد في لباسها  وتقمصها  والتحرك  وفقها  والتدريب  عليها ، وهو  بهذه  التجربة  سيتميز  عن  الناس  جميعا  مثلما  يتميز  الجندي  عن الناس  حين  يدخل  سلك  الجندية  تماما .

              وأثناء  خوضه  لهذه  التجربة  الرائعة  العظيمة ، فإنه  سيجد  في  طريقه  مشكلة  عويصة ، هي  مشكلة  العجز  عن  الوصول  .. فهو  قرر  أن  ينسلخ  من  أمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، وهو  يهفو  إلى  ذلك  ويحاول ، لكنه  لا  يتوصل  تماما  إلى  التخلص  من  أمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، فيجد  نفسه  دائما  خليطا  من  الإستجابة  لإرادة  الله  ومن  الإستجابة  لرغبات  نفسه ، يجد  نفسه  يتراوح  بين  النداءين  اللذين  يناديانه  من  داخله : نداء  الله  ونداء  النفس . فهو  قرر  أن  ينسلخ  تماما  من  رغبات  النفس  نحو  الإستسلام  لإرادة  الله  القاهرة  وتقمصها ، لكنه  يجد  أن  لنفسه  قوة  لا  يستهان  بها ، فهي  لديها  وسائلها  الخاصة  تستعملها  مع  صاحبها  الذي  يتنكر  لها  ويعصيها  ويتحفز  إلى  طلاقها  لتسترجعه  وتثنيه  عن  عزمه .

                 وهكذا  يقضي  حياته  كلها  في  مجاهدتها ، فيفلح  في  إيقافها  ما دام  يجاهدها ، لكنه  لا  يفلح  أبدا  في  القضاء  عليها . وإذا  فترت  مجاهدته  لها  وغفل  قليلا  عنها ، فإنه  لن  يشعر  إلا  ونفسه  قد  استدرجته  وعرته ـ في  صمت  وغفلة  منه  ـ من  لباس  الله ، وألبسته  لباسها ، فيعود  من  جديد  إلى  حالته  الأولى  قبل  أن  يبدأ  تجربته  الإيمانية ، فيصبح  شعوره  مثل  شعور  الجندي  الذي  طرد  من  ثكنة  الجندية ، يشعر  أنه  لم  يعد  يعيش  قرارات  رئيسه ، وأنه  عاد  إلى  حضيضه  ليكون  مثل  الناس  من  جديد ، لهذا  نصح  أحد  المتصوفين  المجاهدين  لأنفسهم  قائلا :" وحاسب  النفس  على  الأنفاس "  .

           هذه  هي  حالة  المؤمن  الصادق  مجملا ، التقوى  تعريه  من  إرادة  نفسه  وتلبسه  إرادة  الله ، والتقوى  تضعف  وتقوى ، وسلوك  المؤمن  يتكون  حسب  ضعف  التقوى  وقوتها  .

             والرسول  عليه  ألف  صلاة  وسلام ، أكثرنا  تبصرة  وفهما  لقوة  الله  القاهرة ، أكثرنا  وأكثر  من  صحابته  فهما  بأن  الله  غالب  على  أمره  بينما  نفسه  مغلوبة  على  أمرها ، أكثرنا  ركونا  إلى  قوة  الله  القاهرة  واستسلاما  لها  وتوكلا  عليها ، وأكثرنا  شكا  في  قوة  نفسه  اللهفانة  الحمقاء ، التي  تريد  دائما  أن  تنال  ما  لا  تقدر  عليه ، فتسقط  صاحبها ـ إن  تبعها ـ في  المهالك ، ويفهم  بوضوح  كالشمس  أن  النفس  تأمر  بالسوء ، وتنتصر  لكبريائها  فتسول  صاحبها  الإفساد ،  وإذا  ركن  إليها  فإنه  لا يكاد   يحصل  منها  إلا  على  الأوامر  السيئة .. الرسول  أكثر  كفرا  بنفسه  منا  بنفوسنا ، لأنه  أعلم  منا  بمصائبها ، وأكثر  تشبثا  بإرادة  الله  منا ، لأنه  أعلم  منا  بحسنات  ذلك ، وأعلم  منا  كم  أن  الله  يعلم  وكم  أن  نفوسنا  لا  تعلم ، لذلك  يكون  فهمه  لآيات  الله  وإرادته  أكثر  صوابا  وأشد  عمقا  من  فهمنا .

             وإرادة  الله  جل  جلاله  مسجلة  في  كتابه  المكنون ، والرسول  تنكر  لإرادته  واستبدلها  بإرادة  ربه ، تمكن  من  إغلاق  كتاب  نفسه  لا  يقرأ  فيه  شيئا ، وهرع  إلى  كتاب  ربه  وغاص  فيه  بالكلية ، لا  يُكون  أفكاره  ولا  رغباته  ولا  مخاوفه  إلا  مما  يوحي  له  ذلك  الكتاب ، قال  تعالى :" إن  أتبع  إلا  ما  يوحى  إلي " (الأنعام 50)، ولشدة  تطبيقه  لهذه  الآية  وصفته  زوجته  عائشة  بأنه :" كان  خلقه  القرآن " ..  فالناس  يرون  جسد  محمد  يتحرك ، والحقيقة  أن  القرآن  هو  الذي  كان  يتحرك  في  داخله  .

             وبهذه  الحالة ـ من  انسلاخ  كامل  من  إرادته  الخاصة  وتقمص  كامل  لإرادة  الله ـ  التي  وصفنا  بها  الرسول ، سنقوم  إن  شاء  الله  بدراسة  سلوك  الرسول  مع  الأحداث  التي  كان  عليه  أن  يعالجها  في  حياته  العامة  والخاصة ، وسندرس  هنا  على  غرار  ذلك  إن  شاء  الله  سلوكه  الذي  اتبعه  في  قضية  تعيين  خلف  له  في  الحكم  .

            1 ـ     نزلت  هذه  الآية  على  رسول  الله  (ص) :" قل  اللهم  مالك  الملك ، تؤتي  الملك  من  تشاء ، وتنزع  الملك  ممن  تشاء " (آل عمران 26) ، ففهم  أن  أمر  الملك  أمر  رباني  لا دخل  للإنسان  فيه ، وأن  الملك  مثل  الرزق  والذرية  والعز  والنفع  والضر  والحكمة  والهداية  والألفة  وغيرها ... هبات  يهبها  الله  لمن  يريد  من  عباده ، وينزعها  ممن  يريد  من  عباده ، ولا  يمكن  لإنسان  ولا  لرسول  ولا  لأي  جهة  أخرى  أن  يهبها  لإنسان  آخر ، وإذا  حاول  أن  يفعل  ذلك ، فإنه  يتدخل  في  اختصاص  من  اختصاصات  الله ، ويتحدى  إرادته ، ويتطفل  عليها ، ولن  يجني  من  ذلك  سوى  غضب  الله  وازدراءه ، وتبقى  إرادة  الله  تجاه  عبده    سائرة  المفعول  لا  يقف  في  طريقها  شيء ، ولا  تبالي  بشيء . إنها  القدر  العاصف  الذي  يدمر  كل  شيء  وقف  في  طريقه ، ولا  يبالي  بالمتدخلين  فيما  لا  يعنيهم  .

             هذه  الآية  من  الآيات  التي  توزع  الإختصاصات  بين  الله  والعبد ، وبالمناسبة ، فإن  توزيع  الإختصاصات  في  القرآن  علم  ما زال  غائبا  علينا ، لم  ينهض  إليه  أحد  منا  لا  في  القديم  ولا  في  الحديث  لاستخراجه  من  القرآن ، لذا  اختلطت  الإختصاصات  لدى  الكثير  من  المؤمنين ، فيرجعون  أشياء  يختص  بها  الله  جل  جلاله  إلى  رسول  الله  أو  إلى  أوليائه ، وهذا  جهل  خبيث  من  شأنه  أن  يتطور  ويتحول  إلى  سمة  من  سمات  الشرك  .

              وهذا  الخلط  في  الإختصاصات  يحدث  كثيرا  للناس ، ويتحولون  أحيانا ، إذا  تقوى  عندهم ، إلى  أرباب  على  الناس  محل  رب  العزة  سبحانه  وتعالى ، يأمرون  وينهون ، ويقتلون  ويحيون  كما  تمليه  عليهم  أهواؤهم ، ومن  هذا  الخلط  ظهر  جميع  الطغاة  في  التاريخ  ..  ولم  ينج  حتى  الأنبياء  من  هذا  الخلط  في  الإختصاصات ، ولو  بدرجة  ضعيفة .

              ولقد  تعرض  نوح  لهذا  الخلط  حين  أصر  على  هداية  ابنه ، ثم  إنقاذه  من  الهلاك ، فأراد  أن  يتحدى  كل  شيء  من  أجل  تحقيق  ذلك ، ودفعه  الحب  الأبوي  الجارف  إلى  أن  يتجاوز  الحدود ، وكم  من  مصيبة  دينية  سببها  الحب  الأبوي ..  يقول  الله  عز وجل  يقص  على  نبيه  وهو  ما زال  في  مكة  قصتهما :" ونادى  نوح  ابنه ـ وكان  في  معزل ـ يا  بني  اركب  معنا  ولا  تكن  مع  الكافرين . قال : سآوي  إلى  جبل  يعصمني  من  الماء . قال : لا عاصم  اليوم  من  أمر  الله  إلا  من  رحم . وحال  بينهم  الموج  فكان  من  المغرقين . وقيل  يا  أرض  ابلعي  ماءك  ويا  سماء  أقلعي . وغيض  الماء  وقضي  الأمر . واستوت  على  الجودي . وقيل : بعدا  للقوم  الظالمين . ونادى  نوح  ربه  وقال : رب  إن  ابني  من  أهلي ، وإن  وعدك  الحق ، وأنت  أحكم  الحاكمين . قال : يا  نوح ، إنه  ليس  من  أهلك ، إنه  عمل  غير  صالح ، فلا  تسألني  ما  ليس  لك  به  علم ، إني  أعظك  أن  تكون  من  الجاهلين . قال : رب  إني  أعوذ  بك  أن  أسألك  ما  ليس  لي  به  علم ، وإلا  تغفر  لي  وترحمني  أكن  من  الخاسرين " (هود 42 ـ 47) .  أراد  نوح  أن  ينقذ  ابنه  بكل  ما  أوتي  من  إصرار ، فلما  تباطأ  ابنه  عن  الإستجابة  لإلحاح  أبيه ، أسرع  إليه  الموج  فاختطفه  من  بين  يديه  وألقى  به  إلى  الأعماق .  فلم  تتركه  شعلة  الحب  لإبنه  يستسلم  لقدر  الله  الغالب ، وانتقل  إلى  ربه  يلح  عليه  في  إرجاع  ابنه  إليه ، فكانت  الحقيقة  قوية  صدمت  نوح  بعنف  وهزت  كيانه  فجعلته  يرتعد  كالعصفور  الذي  يتنفس  أنفاسه  الأخيرة ..  لا  تتعدى  على  اختصاصي ، ولا  تتصرف  تصرف  الجاهلين ، والزم  حدك ، ولا  تتدخل  في ما  لا  يعنيك  قبل  أن  يصيبك  مني  ما  تكره  .

            ولقد  تعرض  رسولنا  عليه  الصلاة  والسلام  لنفس  الخلط  الذي  تعرض  له  نوح ، فقد  كان  عمه  أبو طالب  بمثابة  أبيه ، رباه  في  صغره  وصاحبه  في  كبره  ودافع  عنه  بكل  شيء  لما  تصدى  قومه  لدعوته ..  فأحب  محمد  كثيرا  أن  يهدي  عمه  سواء  السبيل ، لكن  عمه  المحب  الذي  لم  يرفض  أي  طلب  لإبن  شقيقه  المحبوب ، رفض  له  هذا  الطلب ، وهو  الطلب  الوحيد  الذي  رفضه  له .  وأصر  الرسول ، لكن  إصرار  عمه  غلب  في  الأخير ، فمات  على  شركه ، فحزن  الرسول  كثيرا ، ورفض  هذا  القدر  الذي  مني  به  عمه ، فنزلت  الآية  توقظه  من  غلطه  وتوعظه :" إنك  لا  تهدي  من  أحببت ، ولكن  الله  يهدي  من  يشاء " (القصص 56) . فأفاق  الرسول  من  غفلته ، وفهم  بالتحقيق  أن  قدر  الله  لا يقف  أحد  مهما  كان  في  طريقه . وفهم  أن  ما  يعطيه  الله  للناس ، لا  يمكن  ولا  يحق  لأحد  أن  يحل  محل  الله  فيعطيه  للناس ، وأخذ  الرسول  يحترم  جيدا  هذا  الإختصاص ، ويعرف  جيدا  متى  يقف  عند  حده  .


             2 ـ    ونزلت  هذه  الآية  كذلك  عليه ، لتعطيه  بعض  الدروس  في  الحكم :" ألم  تر  إلى  الملإ  من  بني إسرائيل  من  بعد  موسى ، إذ  قالوا  لنبيهم : ابعث  لنا  ملكا  نقاتل  في  سبيل  الله . قال : هل  عسيتم  إن  كتب  عليكم  القتال  ألا  تقاتلوا ؟ قالوا : وما لنا  لا  نقاتل  في  سبيل  الله  وقد  أخرجنا  من  ديارنا  وأبنائنا ؟ فلما  كتب  عليهم  القتال  تولوا  إلا  قليلا  منهم ، والله  عليم  بالظالمين . وقال  لهم  نبيهم : إن  الله  قد  بعث  لكم  طالوت  ملكا " (البقرة 246 ـ 247)  .  وفهم  الرسول  أن  هذه  الآية  لم  تنزل  عبثا ، بل  لتريه  أن  عملية  تعيين  الحاكم  لا  تكون  اعتباطية  أو  من  دون  أحكام  تنزل  من  السماء .

                   فعملية  التعيين  تبدأ  أولا  برغبة  الملأ ، أي  النخبة  التي  تمثل  المؤمنين ، في  الإنضواء  تحت  ملك  يحكمها ، وتجتمع  أهواؤهم  على  ذلك ، ثم  يشرعون  في  التماس  ذلك  الحاكم .  ولسبب  ما ، وربما  لخشية  اختلافهم  على  اختيار  الحاكم ، يلتجئون  إلى  نبيهم ، ثم  يطلبون  منه  أن  يسأل  ربه  ليختار  لهم  حاكمهم . أما  قبل  أن  يسألوه  ذلك  الإختيار ، فلا  يحق  للنبي  أن  يأمرهم  باختيار  حاكم  لهم .  ولقد  مكث  النبي  صموئيل  في  بني إسرائيل  عشرات  السنين  يعلمهم  ويزكيهم ، وشاخ  بينهم ، ولم  يحدثهم  أبدا  عن  اختيار  الحاكم  ولو  ببنت  شفة ، حتى  إذا  كانت  أواخر  حياته ، ظهر  للملإ  أن  من  مصلحتهم  أن  ينصبوا  ملكا  عليهم ، فاجتمعوا  آنئذ  على  نبيهم ، وطالبوه  بذلك .

               ويحق  لهم  أن  لا  يخبروا  نبيهم ، إذا  وجدوا  في  ذلك  مصلحة  لهم ، ويقوموا  باختيار  ملك  عليهم  وتنصيبه  دون  أخذ  مشورته ، ولا  حرج  في  ذلك .  كما  يحق  لهم  أن  يلجأوا  إلى  نبيهم  ليختار  لهم  حاكمهم ، إذا  وجدوا  في  ذلك  مصلحة  لهم . ونلاحظ  أن  النبي  لا يستجيب  لهم  بسهولة ، وهو يراجعهم  ليستبين  مدى  جديتهم  في ما  يريدون . وكأن  بقاءهم  بدون  حاكم  أروح  لهم  وأهون ، ويغنيهم  عن  تحمل  مسئوليات  كثيرة  يفرضها  نظام  الملك .  لكنهم  يلحون  عليه  ويؤكدون  عليه ، ثم  هو  بدافع  إلحاحهم  يدعو  ربه ، ثم  يقوم  الرب ، إذا  استجاب  لهم ، باختيار  من  يريد ، ثم  إذا  اختار  الرب  أحدا  فلا  يحق  للملإ  أن  يعارض  ما  اختاره  الله  لهم .  وقد  لا  يختاره  الله  من  بينهم ، لأن  لله  معايير  للحكم  عادة  ما  لا  تكون  موافقة  للمعايير  التي  عند  الملإ . وهكذا  نخرج  من  هذه  الآية  بفكرة  مفادها ، أن  لا  يكون  تدخل  الله  في  اختيار  الملك  إلا  بطلب  ملح  من  الملإ .

               فالمبادرة  يجب  أن  تكون  من  الملإ  وليس  من  الرسول ، مما  يجعلنا  نقر  بأن  الملك  ليس  فريضة  على  الجماعة ، فرضه  الله  على  الناس  فلا  يحق  لهم  أن  يمتنعوا  عن  تنصيب  ملك  عليهم ، بل  الملك  داخل  في  الإباحة ، وللجماعة  الحرية  الكاملة  في  أن  تختار  لنفسها  ملكا  أو  تبقى  سائبة  لا  يحكم  عليها  أحد ، لهذا  لا  يحق  للرسول ـ مع  ما  يملكه  من  حق  الطاعة  عليهم ـ  أن  يفرض  عليهم  ما  لم  يفرضه  الله . فاختيار  الحاكم  ليس  من  الدين  في  شيء  ، وتكوين  دولة  منظمة  ليس من  الدين  في  شيء ، بل  هو  عقد  يتفق  عليه  الناس ، وقرار  يتخذونه  بينهم ، ولا  دخل  للدين  فيه . الملك  هو  طريقة  معينة  من  العيش ، مثلما  أن  السيبة  طريقة  أخرى  من  العيش ، وللجماعة  حق  الإختيار  بين  الطريقتين ، ولا  دخل  للدين  في  ذلك .

                  فإذا  اختار  الملأ  طريقة  السيبة ، وهي  طريقة  الفوضى ، فهم  آنئذ  ليس  عليهم  إلا  أن  ينصبوا  قضاة  يحكمون  في  نزاعاتهم  بأحكام  الله ، ويبقى  غير  ذلك  يتشاورون  فيه  ويتفقون  عليه .

                  أما  إذا  اختارت  طريقة  الملك ، فلها  أن  تختاره  من  تلقاء  نفسها ، عن  طريق  التشاور  والإتفاق  بينهم ، أو  إذا  كان  عندهم  نبي ، وخافوا  أن  لا  يتفقوا  على  حاكم ، وأرادوا  أن  يختاره  لهم ، آنئذ  يمكنهم  أن  يقصدوا  نبيهم  ويطالبونه  بمرادهم .

              والملأ  من  المؤمنين  يومئذ  هم  صحابة  الرسول  السابقين  من  المهاجرين  والأنصار .. وقرار  تكوين  دولة  أو  عدم  تكوين  دولة ، هو  قرار  من  اختصاص  الملإ  وليس  من  اختصاص  الرسول ، من  اختصاص  المهاجرين  والأنصار  وليس  من  اختصاص  محمد  (ص) ، ولهم  الحق  الكامل  في  أن  يختاروا  تكوين  دولة  تحت  ملك  ينهى  ويأمر  ويفرض  الضرائب ، أو  يختاروا  العيش  تحت  أمة  تجتمع  تحتها  جماعات  عديدة  تسير  نفسها  عن  طريق  إصدار  أوامر  جماعية  .

              ومكث  الرسول  بينهم  ثلاثة  عشر  يوما  وهو  يكابد  مرض  الموت ، ولم  يجتمع  أمر  الملإ  على  أن  يبحثوا  لأنفسهم  خليفة  يخلف  الرسول  عليهم  إذا  مات ، لم  يرغبوا  في  أن  يختار  الله  لهم  ..

                  فمن  يدري ، قد  يخرجها  الله  من  قريش  بالمرة ، ويختار  أسامة  بن  زيد  مثلا ، ألم  يختره  رسول  الله  لقيادة  الجيش ؟

                 وقد  يختار  عبد الله  بن  مسعود ، ألم  يقل  له  يوما ، كما  جاء  في  صحيح  البخاري :" لو  كنت  أؤمر  أحدا  من  غير  مشورة  لأمرت  ابن  أم عبد " ؟ ،

                 وقد  يختار  أحد  الأنصار ، ألم  يقل  لهم  يوما  كما  جاء  في  صحيح  البخاري :" لو  أن  الأنصار  سلكوا  واديا  أو  شعبا  لسلكت  في  وادي  الأنصار ، ولولا  الهجرة  لكنت  أمرأ  من  الأنصار " ؟ ،

                  أو  قد  يختار  عليهم  بلال  الحبشي ، ألم  يقل  لهم  يوما  كما  جاء  في  صحيح  البخاري :" اسمعوا  وأطيعوا  وإن  استعمل عليكم  عبد  حبشي  كأن  رأسه  زبيبة " ؟ .

                إنها  لمخاطرة  كبيرة  أن  يطالبوا  الرسول  بأن  يختار  لهم  ملكا . إن  معايير  الله  غالبا  ما  تكون  مخالفة  لمعاييرهم ، فليس  من  المصلحة  لهم  أن  يغامروا .

             ألم  تحدث  هذه  المفاجأة  المهولة  للملإ  من  بني إسرائيل ؟ فهم  لما  ألحوا  على  نبيهم  أن  يختار  لهم  حاكما ، ظنوا  جميعا  أنه  سيختار  واحدا  منهم ، فصعقوا  جميعا  لما  وجدوا  أنه  اختار  لهم  رجلا  لا يمت  إلى  ملإهم  بصلة . قال  تعالى :" وقال  لهم  نبيهم : إن  الله  قد  بعث  لكم  طالوت  ملكا . قالوا : أنى  يكون  له  الملك  علينا ، ونحن  أحق  بالملك  منه ، ولم  يؤت  سعة  من  المال ؟ قال : إن  الله  اصطفاه  عليكم ، وزاده  بسطة  في  العلم  والجسم ، والله  يؤتي  ملكه  من  يشاء ، والله  واسع  عليم " (البقرة 247) . ألم  تثبت  التجربة  في  بني  إسرائيل  أن  معايير  الله  غالبا  ما  لا  تكون  موافقة  لمعايير  الصحابة ؟

             لم  يجرؤ  الملأ  من  المؤمنين  أن  يخوضوا  تجربة  الملإ  من  بني إسرائيل ، لذلك  لم  يطالبوا  الرسول  باختيار  ملك  لهم ، وما  كان  للرسول  أن  يختار  لهم  وهم  لا  يطلبون  ذلك ..

              وقد  كاد  أن  يحدث  استثناء  على  هذا  الصمت  المطبق ، وفكر  العباس  بن  عبد  المطلب ، لما  أحس  أن  هوى  الناس  ليس  مع  علي ، وأن  جماعته  تشكل  الأقلية  في  المدينة ،  فكر  في  أن  يطالب  الرسول  باختيار  أمير  عليهم ، فعرض  اقتراحه  على  علي ، وألح  عليه ، لكن  علي  رفض  ذلك  بقوة .

               جاء  في  طبقات  ابن سعد ، عن  ابن عباس : أن  علي  بن  أبي طالب  خرج  من  عند  رسول  الله  (ص)  في  وجعه  الذي  توفى  فيه ، فقال  الناس : يا  أبا حسن ، كيف  أصبح  رسول  الله ؟ قال : أصبح  بحمد  الله  بارئا . قال  ابن عباس : فأخذ  بيده  العباس  بن  عبد المطلب  فقال : ألا  ترى ؟ أنت  والله  بعد  ثلاث  عبد  العصا . إني  والله  لأرى  أن  رسول  الله  (ص)  سيتوفى  في  وجعه  هذا ، إني  أعرف  وجوه  بني  عبد المطلب  عند  الموت ، فاذهب  بنا  إلى  رسول  الله  (ص)  فلنسأله  فيمن  هذا  الأمر  من  بعده ، فإن  كان  فينا  علمنا  ذلك ، وإن  كان  في  غيرنا  كلمناه  فأوصى  بنا . فقال  علي : والله  لئن  سألناها  رسول  الله  فمنعناها  لا  يعطيناها  الناس  أبدا . فوالله  لا  نسأله  أبدا  . (جزء 2 ـ صفحة 189) .   
     
               كان  العباس  متأكدا  بأن  رياح  الملك  ليست  في  جهتهم ، وأن  هوى  الناس  يحوم  حول  الثلاثي : أبو بكر وعمر  وأبو عبيدة  بن  الجراح ، لذلك  أراد  أن  يستعمل  ورقة  قرابته  من  الرسول  ليكسب  على  الأقل  مكسبا  سياسيا ، أراد  أن  يسحب  أمر  اختيار  الخليفة  من  أيدي  الملإ  ويضعه  في  أيدي  الله  ورسوله ، فيكون  الأمر  إذا  اختار  الله  عليا  كان  له  ما  أراد ، وإذا  اختار  غيره  سأله  العباس  أن  يوصي  الحاكم  المختار  بهم  خيرا ، فيكونون  من  المقربين  إليه  .

               لكن  عليا  تشاءم  من  هذا  الإقتراح  أكثر  مما  تشاءم  من  انتصار  الثلاثي  عليه ، وخاف  إن  سألها  ثم  منعها  الله  عنه ، فلن  تعطى  له  أبدا ، فلإن  يبقى  طامعا  فيها  ولو  انتصر  عليه  الثلاثي ، خير  من  أن  لا  يطمع  فيها  أبدا .. ففضل  أن  يلتزم  بالصمت  مثلما  فضل  الصحابة  تماما ، لقد  فضلوا  جميعا  أن  تكون  عن  طريق  العقد  والإتفاق  بينهم  على  أن  يسلموها  لله  ورسوله ، فكان  لهم  ما  أرادوا  .


            3 ـ    ونزلت  هذه  الآية  كذلك  على  رسول  الله :" وأمرهم  شورى  بينهم " (الشورى 38) ، فهناك  أمرُنا  وهناك  أمرُهم ، فأمرُنا  يشملنا  جميعا ، أما  أمرُهم  فيشملهم  وحدهم  ولا  يشملنا  معهم ، يشملهم  لأنه  يعنيهم  وحدهم ، ويتحملون  عواقبه  وحدهم .. لذا  حين  كان  أمرُ  الرسول  وأمرُهم  واحدا ، وما  يصيبهم  يصيبهم  جميعا ، أمر  الله  رسوله  قائلا :" وشاورهم  في  الأمر " (آل عمران 159) ، أي  لا  تقم  بعمل  يهمك  ويهمهم  قبل  أن  تأخذ  مشورتهم ، ويظهر  تنفيذ  هذه  الآية  بجلاء  في  غزوة  أحد ، لما  شاورهم  في  القرار  الذي  أراد  أن  يتخذه ، وهو  اختيار  المدينة  ساحة  للحرب ، وعارضه  الأنصار  وفضلوا  الخروج  إلى  العدو .  ولما  رأى  الرسول  أن  الرأي  الغالب هو الخروج  إلى  الأعداء ، تنازل  عن  رأيه ، وأخذ  برأي  الأغلبية .

                 هذا  حين  يكون  أمرُ  الرسول  وأمرُهم  واحدا ، يتحملون  عواقبه  جميعا ، أما  حين  يكون  أمرُهم  وحدهم ، يتحملون  عواقبه  وحدهم ، فالمشاورة  آنئذ  تكون  بينهم ، ولا  تشمل  غيرهم .:" وأمرهم  شورى  بينهم " (الشورى 38)  .

                 وخلافة  الرسول  في  الحكم ، لا  تكون  إلا  بعد  موت  الرسول ، إذن  فأمرُها  لا  تشمله ، لأن  عواقبها  لا  تطاله ، إذن  فهو  ليس  داخلا  في  الشورى .  وهو  لم  يكن  له  الحق  في  أن  يكون  مسيطرا  عليهم  في  حياته ، قال  له  ربه  عز وجل :" إنما  أنت  مذكر ، لست  عليهم  بمسيطر " (الغاشية 21) ، ولم  يعنفهم  يوما  ولم  يرغمهم  على  اتباع  رأيه ، قال  تعالى  يذكره :" فبما  رحمة  من  الله  لنت  لهم "  (آل عمران 199) ،  فكيف  يكون  له  الحق  في  أن  يكون  مسيطرا  عليهم  بعد  مماته ، ويرغمهم  على  اتباع  رأي  تطالهم  عواقبه  دونه ؟ هذا  لا  يكون  أبدا .

              فالشورى  شورة  من  تطالهم  عواقبها ، ولا  يحق  لمن  لم  تطاله  عواقبها  أن  يشارك  فيها ، وإلا  إذا  كان  هذا  المبدأ  يجوز ، فإنه  يحق  للأمم  أن  تتدخل  في  شؤون  الأمم  الأخرى ، وهذا  باطل .

            والرسول  كان  يشاور  ملأه  ثم  يتخذ  قراره  الذي  اتفقوا  عليه ، وهذا  هو  الصواب ، أما  أن يجمعهم  ثم  يعين  عليهم  خلفا  له  دون  أن  يشاورهم ، فهذه  هي  السيطرة  التي  نهاه  الله  عن  مزاولتها ، بالإضافة  إلى  أنها  وصية ، لأنه  أمر  ينفذ  بعد  موته ، ولا  يحق  له  أن  يوصي  إلا  في  ماله  الخاص ، والحكم  هو  شأن  عام  وليس  مالا  من  ماله  الخاص  .

               كان  مريضا ، لكنه  كان  ما زال  حيا ، لذا  كان  يصدر  أمرا  تلو  الآخر  لنفاذ  جيش  أسامة ، وهذا  حق ، لأنه  سينفذ  في  حياته  وتحت  حكمه ، ولذا  أمر  أبا بكر  بالصلاة  بالناس ، وهذه  الصلاة  تقام  في  حياته  وتحت  حكمه ، وليس  في  هذين  الأمرين  شيئا  من  الوصية ، ولكن  أن  يصدر  أمرا  يعين  فيه  من  يحكم  عليهم  غدا  بعد  موته ، فهذه  وصية ، ولا  يحق  له  أن  يوصي  إلا  في  أمواله  الخاصة ، والحكم  ليس  من  ماله  الخاص ..

                وحتى  لو  افترضنا  جدلا  أن  يكون  له  الحق  في  أن  يصدر  هذه  الوصية ، آنئذ  ستكون  فاطمة  وولداها  الحسن  والحسين  هم  أصحاب  الحق  في  هذه  الوصية ، لأن  الله  تعالى  حدد  الوصية  في  الأقربين  وليس  في  الأقارب ، وقال : " أنما  الوصية  للوالدين  والأقربين " (البقرة 180) ، فالأقرب  إلى  رسول  الله  يومئذ  هي  ابنته  وحفدته  .

                لهذه  الأسباب  الثلاثة ، وربما  لأسباب  أخرى  لم  أقف  عليها ، التزم  الرسول  الحكيم  بالصمت  تجاه  من  يخلفه  في  الحكم ، مع  كثرة  ما  أوصى  وأمر  وتكلم  ونصح   في  أيام  مرضه  الثلاثة  عشر ، ولهذه  الأسباب  قرر  الصحابة  أن  يسكتوا  عن  رسول  الله  ولا  يسألونه  أن  يعين  أحدا  منهم  عليهم ، وفضلوا  أن  يجعلوها  شورى  بينهم   .

عبد المالك الشملالي -رأي طه حسين في تعيين الرسول لخلفه

هذه  مساهمة  من  المفكر  الراحل  طه حسين  (1889 ـ 1973)  في  توضيح  مسألة  التعيين  في  عهد  الرسول  وخلفائه  الراشدين ، رأيت  من  المفيد  أن  أدرجها  هنا  على  هذا  المنبر  لإثراء  هذا  الموضوع ، فمعروف  عن  طه حسين  أنه  كان  عقلانيا  لا  يتقبل  الأخبار  إلا  تأكد  جيدا  من  صحتها ، وهنا  تكمن  أهميته ، إذ خطا خطوة مهمة في  تحليله  لهذا  الموضوع .
            يقول  طه حسين :
          والرواة  يتكثرون  في  بعض  الحديث  ويختلفون  فيما  يتكثرون  فيه  باختلاف  نزعاتهم  السياسية ، فقوم  يزعمون  أن  النبي  (ص)  طلب  إلى  عائشة  في  مرضه  الذي  قبض  فيه  أن  تدعو  أخاها  عبد الرحمن  ليكتب  لأبي بكر  كتابا  لا  يختلف  الناس  معه  عليه ، ثم  عدل  عن  ذلك  وقال : دعيه ، فلن  يختلف  الناس  على  أبي بكر .

             وقوم  آخرون  يزعمون  أنه  لم  يسم  أبا بكر  ولم  يسم  عبد الرحمن ، وإنما  أراد  أن  يكتب  لأصحابه  كتابا  لا  يضلوا  بعده . فاختلف  من  كان  عنده  ذلك  الوقت  من  أصحابه ، أراد  بعضهم  أن  يكتب ، وأبى  بعضهم ، وقال ـ وهو عمر  فيما  يروي ـ إن  الوجع  اشتد  برسول  الله  وعندنا  كتاب  الله .

            وقد  بينت  في  غير  هذا  الموضع  أني  أشك  كل  الشك  في  هذا  كله ، وأكاد  أقطع  بأنه  مما  تكلفته  الفرق  السياسية  بأخرة . ولو  قد  عزم  الله  لرسوله  على  أن  يوصي  لأبي بكر  أو  لغيره  لما  صرفه  عن  ذلك  أحد .

             ومهما  يكن  من  شيء  فقد  قبض  النبي  (ص)  ولم  يوص  لأحد  لا  لأبي بكر  ولا  لغيره . ولو  أوصى  لأبي بكر  لما  كانت  سقيفة  بني ساعدة ، ولما  خالفه  الأنصار  عن  وصية  رسول  الله . ولو  قد  أوصى  لعلي  لكان  أبو بكر  أسرع  الناس  إلى  بيعته ، فكيف  وقد  اجتمع  المسلمون  من  المهاجرين  والأنصار  على  بيعة  أبي بكر ، إلا  ما  كان  من  شذوذ  سعد  بن  عبادة  وامتناعه  عن  البيعة .

               ولقد  بايع  علي ـ رحمه  الله ـ أبا بكر ، وعمر  من  بعده  وعثمان  من  بعدهما ، ولو  قد  علم  أن  النبي  قد  أوصى  له  لجاهد  في  إنفاذ  أمر  النبي  ولآثر  الموت  على  خلاف  هذا  الأمر  .

                 والواقع ـ فيما  أرجح ـ أن  الرواة  أسرفوا  على  أنفسهم  وعلى  الناس ، بعد  انقسام  المسلمين  فيما  أثير  من  الفتنة  بقتل  عثمان  رحمه  الله ، فلم  يخلصوا أنفسهم  للصدق  في  الرواية ، ولم  يتحرجوا  من  أن  يصوروا  أمر  المسلمين  إثر  وفاة  النبي  كما  كان  أمر  المسلمين  في  أيامهم . وأيسر  النظر  في  كتب  التاريخ  القديمة ، وفي  كتب  المتكلمين  القدماء ، يبين  لنا  أن  المسلمين  انقسموا  بأخرة  في  بيعة  أبي بكر ، كما  انقسموا  في  أشياء  كثيرة  غيرها ، انقساما  شديدا ، فقد  أكثر  المتكلمون  الجدال  في  أمر  أبي بكر  وعلي  رحمهما  الله . فكان  البكريون  يزعمون  أن  أبا بكر  أفضل  المسلمين  وأحقهم  بخلافة  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم ، ويلتمسون  على  ذلك  ألوانا  من  الحجج  يكثر  فيها  التكلف  والتزيد ، وكان  المتشيعون  لعلي  يذهبون  مذهب  خصمهم  فيتكلفون  ويتزيدون  .  (الشيخان 24 ـ 26) .

                  ولا  يقف  اختصام  الرواة  باختصام  الفرق  عند  هذا ، ولكن  الأحاديث  التي  تروى  عن  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم  تكثر  وتتشعب  لا  لشيء  إلا  ليظهر  أحد  الفريقين  على  صاحبه .

                 يقول  الشيعة  مثلا : إن  عليا  كان  وصي  النبي . فيحاول  مخاصموهم  أن  يزعموا  أن  النبي  هم  أن  يوصي  لأبي بكر . ثم  عدل  لأنه  وثق  بأن  المسلمين  لن  يختلفوا  عليه .

                 ويروون  أحاديث  أخرى ، يروون ـ أنظر  طبقات  ابن سعد ـ أن  أبا بكر  قال  للنبي  ذات  يوم :ما أزال  أراني  أطأ  في  عذرات  الناس . قال : لتكونن  من  الناس  بسبيل . قال : ورأيت  في  صدري  كالرقمتين . قال : سنتين . قال : ورأيت  علي  حلة  حبرة . قال : ولد  تحبر  به  .

                 فقد  أري  أبو بكر  هذه  الرؤيا  وأولها  النبي  بأنه  سيلي  أمر  الناس . ثم  أري  أبو بكر  كأن  في  صدره  رقمتين . فأولها  النبي  بأن  ولايته  ستتصل  سنتين .
                فواضح  ما  في  هذا  الحديث  من  التكلف . (الشيخان 28)  .

                وكل  هذا  مما  تكلفه  الرواة  بأخرة ، وليس  عندي  شك  في  أنه  من  الضعف  بمنزلة  ما  رويت  آنفا ، من  أن  النبي  هم  أن  يوصي  له ثم  اطمأن  إلى  اجتماع  الناس  على  أبي بكر  فعدل  عن  وصيته . وهذه  الأحاديث  إنما  أريد  بها  إلى  مخاصمة  الشيعة  فيما  كانت  ترى  من  أن  عليا  هو  وصي  النبي .

                 والذي  لا  أشك  فيه  هو  أن  القرآن  لم  ينظم  للمسلمين  أمر  الخلافة  ولا  توارثها ، وأن  النبي  لم  يترك  وصية  أحد  من  أصحابه ، لا  من  المهاجرين  ولا  من  الأنصار .

                 وفضل  أبي بكر  أظهر  من  أن  يحتاج  إلى  مثل  هذا  التكلف ، وفضل  علي  أظهر  من  أن  يحتاج  إلى  التكلف  أيضا . فهو  ابن عم  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم ، وهو  زوج  ابنته  وأبو  سبطيه : الحسن  والحسين  رحمهما  الله ، وبلاؤه  في  الإسلام  لا  يشك  فيه  مسلم ، وحب  النبي  له  معروف  أعلنه  صلى  الله  عليه  وسلم  غير  مرة . فلا  حاجة  إذن  إلى  أن  تخترع  الأحاديث  لإثبات  ما  لا  حاجة  لإثباته ، كالحديث  الذي  يروي  أن  العباس  عرف  الموت  في  وجه  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم ، وكان  يعرف  الموت  في  وجوه  بني  عبد المطلب ...

                 فخرج  علي  ذات  يوم  من  عند  النبي  في  مرضه  الذي  توفى  فيه ، فسأله  الناس  عن  رسول  الله ، فقال : أراه  بحمد  الله  بارئا . قال  الرواة : فأخذ  العباس  بيد  علي  فقال : ألا  ترى  أنك  بعد  ثلاث  عبد  العصا ، وإني  أرى  رسول  اللس  سيتوفى  في  وجعه  هذا ، وإني  لأعرف  وجوه  بني  عبد المطلب  عند  الموت ، فاذهب  إلى  رسول  الله  فسله  فيمن  يكون  هذا  الأمر ، فإن  كان  فينا  علمنا  ذلك ، وإن  كان  في  غيرنا  أمر  به  فأوصى  بنا . قال  علي : والله  لئن  سألناها  رسول  الله  فمنعناها  لا  يعطيناها  الناس  أبدا ، والله  لا  أسألها  رسول  الله  أبدا  .

                   والغريب  أن  الطبري  يروي  هذا  الحديث  من  طريقين  دون  أن  ينكر  منه  شيئا . مع  أن  التكلف  فيه  ظاهر ، وهو  إنما  أريد  به  أن  يرد  على  الشيعة  بأن  عليا  لم  يكن  يعلم  أنه  وصي  النبي ، وأنه  كان  يرجو  أن  تساق  الخلافة  إليه  يوما ، وأنه  أشفق  إن  سأل  النبي  عنها  أن  ينبئه  النبي بأنها  ليست  في  بني هاشم ، فيعلم  الناس  بهذا  المنع ، ثم  يرونه  دينا  فلا  يسمحون  بالخلافة  لهاشمي  أبدا .

                 وأعتقد  أن  عليا  كان  أكرم  على  نفسه  وأشد  حبا  لرسول  الله  من  أن  يقول  هذه  المقالة  أو  يفكر  هذا  التفكير ، وإن  صح  من  هذا  الحديث  شيء  فهو  أن  عليا  كان  يعلم  أن  النبي  كان  في  شغل  بمرضه ، وبما  كان  يدبر  رغم  هذا  المرض  من  أمور  المسلمين ، فكره  أن  يشق  عليه  من  جهة ، واستحيا  من  جهة  أخرى  أن  يظهر  أمام  النبي  مظهر  المستغل  لمكانته  منه  الراغب  مع  ذلك  في  السلطان .

                وقد  كان  علي  يعرف  حب  النبي  له  وبره  به  وإكباره  لبلائه  في  الإسلام ، ويعلم  أن  النبي  إن  كان  موصيا  له  أو  لغيره  فلن  يصرفه  عن  ذلك  صارف ، وإن  كان  غير  موص  فلن  يحمله  على  ذلك  حامل . والنبي  إنما  كان  ينطق عن  أمر  السماء ، فلو  قد  أراده  الله  على  أن  يوصي  لأوصى  دون  أن  يسأله  سائل  أو  يرغب  إليه  راغب .

                   وقصة  أخرى  يرويها  المؤرخون  وما  أراها  إلا  متكلفة  أيضا ، فهم  يزعمون  أن  أبا سفيان  حين  رأى  أمر  البيعة  يستقيم  لأبي بكر ، وهو  رجل  من  تيم  ليس  من  بني  عبد مناف  ولا  من  بني قصي ، أخذته  العصبية  الجاهلية ، فأخذ  يبرق  ويرعد  ويقول : لئن  شئت  لأملأن  عليه  الأرض  خيرا . ويقول : فأين  بني  عبد مناف . ثم  حاول  أن  يغري  عليا  والعباس  بمثل  ثورته . فجعل  يحرضهما  ويسأل  أين  الأذلان ؟ ويتمثل  بقول  الشاعر : 
           ولا  يقــيم  عـلى  ضــيم  يـراد  بـه           إلا  الأذلان  عير  الحي  والوتد                                 هذا  على  الخسف  معقوص  برمته           وهـذا  يشـج  فما  يرثي  له  أحد                             ثم  يعرض  على  علي  بيعته . ولكن  عليا  يزجره  قائلا  له : طالما  بغيت  الإسلام  شرا  فلم  تضره . ثم  رفض  ما  كان  يعرض  عليه .
                ولو  قد  قال  أبو سفيان  هذه  المقالة  أو  دعا  هذه  الدعوة  لعلم  بها  أبو بكر  وعمر ، كما  علم  بها  الرواة ، ولعرفا  كيف  يضعان  أبا سفيان  حيث  وضعه  الله  .

                وإنما  هي  قصة  تكلفها  المتقربون  إلى  بني العباس  بالتشنيع  على  بني أمية ، كما  تكلفوا  كثيرا  من  أمثالها .

                 ويزيد  بعض  الرواة  في  هذه  القصة  ما  يقطع  بكذبها ، فيزعمون  أن  بعض  من  سمع  أبا سفيان  يقول  هذه  المقالة  في  أبي بكر  قال  له : إن  أبا بكر  قد  ولى  ابنك . هنالك  رضي  أبو سفيان  وقال : وصلته  رحم .

                والواقع  من  أمر  الخلافة  أنها  أطلقت  ألسنة  بعض  الرواة  المتعصبين  للأحزاب  السياسية  بكذب  كثير . وروى  المؤرخون  هذه  الأكاذيب  بأخرة  من  غير  تحقيق  ولا  تمحيص ، فاختلطت  الأمور  على  الناس  وذهبوا  في  فهمها  وتأويلها  واستخلاص  الحق  منها  كل  مذهب  .

            والذي  أرجحه  وأوشك  أن  أقطع  به ، هو  أن  عليا  والعباس  كانا  مشغولين  بتجهيز  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم  حين  بويع  لأبي بكر . فالرواة  مجمعون  على  أن  الأنصار  لما  عرفوا  وفاة  النبي  بعد  أن  سمعوا  مقالة  أبي بكر  وما  تلا  من  القرآن  ليبين  للشاكين  والمضطربين  أن  النبي  قد  قبض ، وأن  من  كان  يعبد  محمدا  فإن  محمدا  قد  مات ، ومن  كان  يعبد  الله  فإن  الله  حي  لا  يموت ، وأن  القرآن  قد  أنبأ  بأن  النبي  رجل  يعرض  له  الموت  كما  يعرض  لغيره  من  الناس  .

            أقول : إن  الأنصار  لما  عرفوا  وفاة  النبي اجتمعوا  في  سقيفة  بني ساعدة  وتشاوروا  بينهم ، فتم  رأيهم  على  أن  يكون  السلطان  فيهم ، لأنهم  أهل  المدينة ، ولأن  غيرهم  من  المهاجرين  طارئون  عليهم  فيها ، وليس  منهم  من  يوحى  إليه  كما  كان  يوحى  إلى  النبي ، فلا  ينبغي  أن  يلوهم  بعد  وفاة  النبي  وانقطاع  الوحي . وقدموا  سعد  بن  عبادة  من  الخزرج  ليبايعوه . وبلغ  ذلك  عمر . وأرسل  إلى  أبي بكر  في  بيت  النبي : أن  أخرج  إلي . ولم يستجب إليه  أبو بكر  بل  قال  لرسوله : قل  له : إني  مشتغل . فأعاد  عمر  الرسول  إليه  بأن  أمرا  قد  حدث  ولابد  من  أن  يحضره .

             فخرج  إليه  أبو بكر . فلما  عرف  منه  ما  أزمع  الأنصار  ذهب  معه  إليهم ، ولقيا  في  طريقهما  أبا عبيدة  بن  الجراح  فانطلق  معهما . وأتى  ثلاثتهم  الأنصار  وقد  هموا  ببيعة  سعد ، فحاوروهم  وحاجوهم  في  هذا  الأمر ، وأقنعهم  أبو بكر  بأن  المهاجرين  من  قريش  هم  أولى  بالنبي  وبسلطانه  من  بعده ، لأنهم  عشيرته  وذووا  قرابته .

              ثم  بايع  عمر  وأبو عبيدة  لأبي بكر ، وأقبل  الأنصار  فبايعوا  بعد  أن  ذكرهم  رجل  منهم ـ هو  بشير  بن  سعد ـ بأنهم  لم يؤووا  النبي  ولم  ينصروه  ابتغاء  للدنيا ، وإنما  آووا  ونصروا  ابتغاء  مرضاة  الله  عز وجل .

               وكذلك  بدأت  بيعة  أبي بكر ، وعلي  والعباس  مشغولان  بأمر  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم ، وكان  هذا  كله  في  اليوم  نفسه  الذي  قبض  فيه  النبي .

                ولست  أطمئن  إلى  أكثر  ما  يرويه  الرواة  من  نصوص  الحوار  الذي  كان  بين  أبي بكر  وصاحبيه  من  جهة ، وبين  الأنصار  أوسهم  وخزرجهم  منجهة  أخرى .

                فهم  يروون  هذا  الحوار  رواية  من  شهد  اجتماع  القوم  وسمع  ما  كان  فيه  من  الأحاديث  والخطب . ثم  لم  يكتف  بالسماع  وإنما  سجل  ما  قيل  حرفا  حرفا ، بل  سجل  حركات  القوم  وإشاراتهم . ولو  قد  استطاع  لسجل  نبرات  الأصوات . مع  أن  هذا  الحوار  وأمثاله  لم  يدون  إلا  بأخرة ، بعد  انقضاء  عصر  الخلفاء  الراشدين  وصدر  من  ملك  بني أمية . ولم ينتقل  هذا  الحوار  وأمثاله  إلى  القصاص  والمؤرخين  مكتوبا ، وإنما  نقل  إليهم  مشافهة ، وصنعت  فيه  الذاكرة  صنيعها ، وتعرض  بعضه  للنسيان ، وبعضه  لتغيير  اللفظ . وصنعت  فيه  الأهواء  السياسية  صنيعها  أيضا  .

               فهم  يزعمون  أن  الأوس  تناجت  فيما  بينها . فقال  بعضها  لبعض : والله  لئن  وليت  الخزرج ـ وهم  قوم  سعد  بن  عبادة ـ هذا  الأمر  لكانت  لهم  عليكم  الفضيلة  إلى  آخر  الدهر . ثم  تناصح  القوم  أن  يبايعوا  لأبي بكر  حتى  لا  يتاح  هذا  السبق  للخزرج  .

              والذي  نعرفه  من  سيرة  الأنصار  ومن  سيرة  المسلمين  عامة  يدل  على  أن  الإسلام  قد  ألغى  ما  كان  في  قلوبهم  من  التنافس  والتباغض ، ومحا  ما  كان  في  صدورهم  من  الضغائن  الجاهلية . فغريب  أن  تعود  إليهم  جاهليتهم  بكل  ما  كان  فيها  من  الحقد  والحسد  والموجدة  فجاءة  في  اتليوم  نفسه  الذي  قبض  فيه  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم .

ن  ننسى  أن  الرواة  من  كانوا  من  الموالي  الذين  لم  تبرأ  قلوبهم  من  الضغن  على  العرب . لأنهم  فتحوا  بلادهم  وأزالوا  سلطانهم ، ثم  استأثروا  من  دونهم  بالأمر  أيام  بني  أمية . وإذا  كان  الكذب  قد  كثر  على  رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلم . فأي  غرابة  في  أن  يكثر  على  المؤمنين  من  أصحابه .

                 والذي  أستخلصه  أنا  من  قصة  السقيفة  أيسر  جدا  مما  صور  المؤرخون ، فقد  أشفق  الأنصار  بعد  وفاة  النبي  من  أن  يلي  المهاجرون  من  قريش  الخلافة  فيصير  هذا  سنة  وتستأثر  قريش  بالأمر ، فإذا  ذهب  الصالحون  من  أصحاب  النبي  لم  يعرف  من  يأتي  بعدهم  من  قريش  حق  الأنصار  فظلموهم  وجاروا  عليهم . فأراد  الأنصار  إذن  أن  يحتاطوا  للمستقبل ، وكأنهم  أحسوا  قبل  أن  يأتيهم  أبو بكر  وصاحباه  أن  قريشا  لن  ترضى  منهم  بهذا  الأمر ، فأزمعوا  أن  يعرضوا  على  المهاجرين  أن  يكون  الأمر  في  المهاجرين  والأنصار  على  سواء ، فينهض  بأعباء  الحكم  أميران ، واحد  من  أولئك  وواحد  من  هؤلاء ، ويكون  بذلك  توازن  في  التبعات ، فإذا  بغى  أحدهما  كفه  الآخر .

                وصدق  عمر  حين  رد  على  الأنصار  رأيهم  هذا  فقال : لا  يجتمع  إثنان  في  قرن ، فلو  قد  تم  للأنصار  ما  كانوا  يريدون  لما  استقامت  أمور  الحكم ، ولكان  من  الخلاف  بين  الأميرين  ما  يفسد  على  المسلمين  حياتهم  ويضطرهم  إلى  خصومات  لا  تنتهي ، وربما  اضطرهم  إلى  الحرب  في  كثير  من  الأحيان  .

             والمهم  أن  أبا بكر  وصاحبه  قد  أقنعوا  الأنصار  في  يسر ، فلم  ينصرفوا  عنهم  إلا  وقد  بايعوا  لأبي بكر ، ولو  قد  كان  الأنصار  حراسا  على  الحكم  والإستئثار  بالسلطان  لما  أتيح  لأبي بكر  وصاحبيه  أن  يقنعوهم  في  ساعة  من  نهار .

              والرواة  يتحدثون  بأن  سعد  بن  عبادة ، الذي  رشحه  الأنصار  للخلافة ، أبى  أن  يبايع  لأبي بكر ، وكان  لا  يصلي  بصلاة  المسلمين  ولا  يشهد  معهم  الجمعة  ولا  يفيض  بإفاضتهم  في  الحج  .

                ولكن  رواة  آخرين  يتحدثون  بأنه  بايع  كما  بايع  غيره  من  الناس .

                وهذا  عندي  أدنى  من  الصواب . وكل  ما  يمكن  أن  يقال  إنما  هو  أن  سعدا  تأخر  في  البيعة ، لأنه  كان  مريضا  من  جهة ، ولأنه  ربما  وجد  في  نفسه  من  إقبال  الأنصار  عليه  أولا ، ثم  انصرافهم  عنه  لما  سمعوا  من  حديث  أبي بكر  وصاحبيه  .

             ويمضي  الرواة  الذين  ينكرون  بيعة  سعد  في  غلوهم  فيزعمون  أن  الجن  قتلت  سعدا ، ويضيفون  إلى  الجن  بيتين  من  الشعر  وهما  :
                               قد  قتلنا  سيد  الخز           رج سعد بن   عـبادة                                                                 ورمينــاه  بسهميـــ             ن  فلم  نخطئ  فؤاده
              وما  أظن  أننا  في  حاجة  إلى  أن  نقف  عند  هذا  السخف  .

               بقيت  مسألتان  خلط  فيهما  الرواة  تخليطا  عظيما ، وأثر  فيهما  انقسام  المسلمين  تأثيرا  منكرا . وليس  بد  من  أن  نتبين  وجه  الحق  فيهما  .

               فأما  أولاهما  فبيعة  علي  لأبي بكر . فالرواة  يختلفون  فيها  أشد  الإختلاف ، يقول  قوم : إن  عليا  بايع  أبا بكر  حين  بايعه  غيره  من  المسلمين . وهؤلاء  يختلفون  فيما  بينهم ، فيزعم  بعضهم  أن  عليا  كان  جالسا  في  داره  وعليه  قميص  ليس  معه  إزار  ولا  رداء ، فجاءه  من  أنبأه  بأن  أبا بكر  قد  جلس  للبيعة ، وأن  الناس  يبايعونه . فأسرع  علي إلى  المسجد  وأعجله  السرع  عن  أن  يتخذ  إزاره  ورداءه ، ومضى  حتى  بايع  أبا بكر ، ثم  جلس  وأرسل  من  جاءه  بثوبه  فتجلله . وواضح  ما  في  هذا  من  السرف  .

               وآخرون  يزعمون  أن  عليا  تلكأ  عن  البيعة  وتلكأ  معه  الزبير  بن  العوام ، فأرسل  عمر  من  جاء  بهما  ثم  قال  لهما : والله  لتبايعان  طائعين  أو  لتبايعان  كارهين . وواضح  كذلك  ما  في  هذا  من  الكذب  .

               فما  كان  أبو بكر  ليخلى  بين  عمر  وبين  العنف  بعلي  إثر  وفاة  رسول  الله . وزوجه  فاطمة  ما زالت  حية ، وإنما  هذا  الخبر  متكلف  أريد  به  إلى  إظهار  أن  عليا  لو  ترك  وشأنه  ما  بايع  أبا بكر  .

             وكثير  من  الرواة  يزعمون  أن  عليا  لم  يبايع  أبا بكر  إلا  متأخرا ، وأن  بني هاشم  صنعوا  صنيعه  فامتنعوا  على  أبي بكر  وخالفوا  جماعة  المسلمين ، وظلوا  على  هذا  الخلاف  ستة  أشهر ، حتى  إذا  توفيت  فاطمة ـ رحمها  الله ـ بايعوا  .

          وواضح  ما  في  هذا  من  الكذب  أيضا . فما  كان  علي  وبنو هاشم  ليفارقوا  جماعة  المسلمين  وليتلبثوا  حتى  تموت  فاطمة ، ثم  يكون  إقبالهم  على  البيعة  حين  رأوا  أن  الناس  قد  انصرفوا  عنهم  بعد  موت  فاطمة .

              وأيسر  العلم  بفضل  علي ـ رحمه  الله ـ ونصحه  للمسلمين  وحسن  بلائه  في  الإسلام  أيام  النبي  يمنع  من  قبول  هذه  الرواية ، وإنما  خلط  الرواة  بين  أمرين  مختلفين  أشد  الإختلاف  .

             أحدهما  بيعة  علي  لأبي بكر ، والآخر  ما  كان  من  مغاضبة  فاطمة  لأبي بكر  في  ميراث  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم . فقد  طلبت  فاطمة  حقها  من  ميراث  أبيها  في  فدك  وفي  سهمه  من  خيبر ، فلم  يجبها  أبو بكر  إلى  ما  طلبت ، لأنه  سمع  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم  يقول :" لا  نورث . ما  تركناه  صدقة ." . فهجرته  فاطمة  ولم  تكلمه  حتى  ماتت .

           وكأن  عليا  جفا  أبا بكر  لهجران  فاطمة  له . ومن  أجل  ذلك  لم  يؤذن  أبا بكر  بموتها  بل  دفنها  ليلا ـ فيما  يزعم  الرواة ـ ثم  كان  صلح  بعد  ذلك  بين  علي  وأبي بكر  .

           وهذا  شيء  لا  شأن  له  بالبيعة ، وإنما  بايع  علي  حين  بايع  الناس  في  غير  سرع  ولا  إكراه . رأى  أن  كلمة  المهاجرين والأنصار  قد  اجتمعت  على  أبي بكر  فلم  يخالف  عما  أجمع  عليه  المسلمون . ولو  خالف  علي  أو  هم  بالخلاف  لاستطاع  أن  يحاج  أبا بكر  بحجته  على  الأنصار  في  سقيفة  بني ساعدة . فقد  احتج  أبو بكر  على  الأنصار  بأن  المهاجرين  من  قريش  هم  أولى  الناس  بالنبي  وبسلطانه  من  بعده . لأنهم  عشيرته  وذو قرابته .

              ومما  لا  شك  فيه  أن  عليا  كان  أقرب  إلى  النبي  من  أبي بكر  وعمر ، فهو  ابن عمه  وزوج  ابنته  وأبو سبطيه ، كما  قلت  منذ  حين . ولكن  عليا  لم  يفعل  على  رغم  ما  زعم  بعض  الرواة ، وما  كان  في  حاجة  إلى  أن  يفعل ، فأبو بكر  كان  يعرف  قرابة  علي  حق  المعرفة  كما  كان  يعرفها  غيره  من  المسلمين ، وإنما  نظر  الناس  إلى  سن  أبي بكر  وفضله  وحسن  مواساته  للنبي  صلى  الله  عليه  وسلم  وللمسلمين ، واختصاص  النبي  له  بمصاحبته  في  هجرته . ثم  أمره  أن  يصلي  بالناس  حين  ثقل  عليه  المرض ، فكأن  الناس  يقولون : اختاره  رسول  الله  لديننا ، فلم  لا  نختاره  لأمر  دنيانا  .

           والمهم  أن  أحدا  لم  يخالف  على  أبي بكر ، لا  من  بني هاشم  ولا  من  غيرهم . وكل  ما  يقال  غير  هذا  إنما  تكلفه  المتكلفون  بأخرة ، حين  افترق  المسلمون  شيعا  وأحزابا  .

             ولا  يستطيع  أحد  بأن  يقطع  بأن  عليا  كان  فيما  بينه  وبين  نفسه  يجد  على  أبي بكر  وعلى  عمر ، لأنهما  استأثرا  بالخلافة  من  دونه ، ذلك  لأنه  لم  ينبئنا  بشيء  من  ذلك  فيما  نطمئن  إليه  من  أحاديث  الرواة . وعلي  أفضل  في  نفسه  وأكرم  عند  الله  من  أن  يبايع  الشيخين  بلسانه  ويضمر  في  قلبه  غير  ما  كان  يظهر . ونحن  نعلم  أنه  نصح  للشيخين  أثناء  خلافتهما ، وأن  عمر  خاصة  قد  استعان  به  في  غير  موطن . واستشاره  في  كل  ما  كان  يستشير  فيه  أعلام  المهاجرين  والأنصار  .

            وقد  بينا  في  غير  هذا  الحديث  نصحه  لعثمان  حين  استقام  له  الناس  وحين  اختلفوا  عليه . وهذا  هو  الظن  بعلي  رحمه  الله . فهو  قد  كان  من  المؤمنين  الصادقين  الذين  أخلصوا  سريرتهم  وعلانيتهم  لله  عز  وجل ، ونصح  للمسلمين  أصدق  النصح  وأصفاه  من  الشوائب  ما  امتدت  له  أسباب  الحياة . فالذين  يظنون  به  أنه  بايع  لمن  بايع  من  الخلفاء  تقية  إنما  يتهمونه  بما  لا  ينبغي  أن  يتهم  به  رجل  أحب  الله  ورسوله ، وأحبه  الله  ورسوله ، فيما  يروى  عن  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم  حين  دفع  إليه  الراية  في  وقعة  خيبر .

              هذه  إحدى  المسألتين  اللتين  ذكرتهما  في  أول  هذا  الفصل . فأما  المسألة  الأخرى  فتتصل  بما  روي  عن  عمر  رحمه  الله  من  أنه  قال  إن  بيعة  أبي بكر  كانت  فلتة  وقى  الله  شرها  .

               فمن  الناس  من  يتخذ  هذه  المقالة  التي  رويت  عن  عمر ـ وما  أدري  أصحت  بها  الرواية  أم  لم  تصح ـ وسيلة  للقول  في  خلافة  أبي بكر  والتشكك  في  صحتها . وهذا  سخف ، فالمسلمون  من  المهاجرين  والأنصار  وممن  بقي  بمكة  وبالطائف ، وممن  تفرق  في  قبائل  العرب  حين  وفاة  النبي ، قد  رضوا  خلافته  وأخلصوا  له  النصح  وائتمروا  بكل  ما  أمر  به ، وانتهوا  عن  كل  ما  نهى  عنه . ولولا  ذلك  لما  استطاع  أبو بكر  أن  يثبت  للعرب  حين  ارتدت ، وأن  يجند  المهاجرين  والأنصار  والتابعين  لهم  بإحسان  لقتال  المرتدين ، وحملهم  على  أن  يدخلوا  فيما  خرجوا  منه ، وأن  يؤدوا  من  الحق  كل  ما  كانوا  يؤدونه  إلى  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم . ولما  استطاع  أن  يرمي  بهؤلاء  المهاجرين  والأنصار  والتابعين  العراق ، وكان  جزء  من  ملك  فارس ـ والشام ـ وكان  جزء  من  ملك  الروم  كما  سنرى . وإنما  أراد  عمر ـ إن  صحت  المقالة  التي  رويت  عنه ـ أن  بيعة  أبي بكر  لم  تتم  في  أول  أمرها  عن  ملإ  من  جماعة  المسلمين  وعن  تشاور  وإجالة  للرأي  وإنما  تمت  فجاءة  حين  اجتمعت  الأنصار  في  سقيفة  بني ساعدة ، وهمت  أن  تؤمر  سعدا ، وحين  حاورهم  أبو بكر  وصاحباه . فهنا لك  رشح  أبو بكر  للأنصار  عمر  أو  أبا عبيدة ، وكره  هذان  أن  يتقدما  عليه  فأسرعا  إلى  بيعته  وتبعتهم  الأنصار  ثم  تتام  الناس  على  البيعة  بعد  ذلك . ولو  لم  يجتمع  الأنصار  ويهموا  بتأمير  سعد  لجرى  أمر  البيعة  غير  هذا  المجرى ،ولانتظر  الناس  بها  حتى  يفرغوا  من  دفن  لنبي  صلى  الله  عليه  وسلم ، ولاجتمع  أولوا  الرأي  من  المهاجرين  والأنصار  فتذاكروا  أمرهم  وأمر  المسلمين ، واختاروا  من  بينهم  خليفة  لرسول  الله  .

             من  أجل  ذلك  كانت  بيعة  أبي بكر  فلتة  فيما  روي  عن  عمر، وقد  وقى  الله  شرها ، لأن  المسلمين  لم  ينكروا  هذه  البيعة  ولم  يجادل  فيها  مجادل  منهم  ولا  تردد  فيها  متردد ، وإنما  أقبلوا  فبايعوا  أبا بكر  راضية  به  نفوسهم ، مطمئنة  إليه  قلوبهم  وضمائرهم ، ثم  نصحوا  له  بعد  ذلك  ما  عاش  فيهم ، فلما  مرض  مرضه  الذي  توفى  فيه  أوصى  لعمر  بالخلافة  على  النحو  الذي  رواه  المؤرخون  .

             والواقع  أن  القرآن  لم  يشرع  نظاما  لاختيار  الخلفاء ، وأن  السنة  كذلك  لم  تشر  إلى  هذا  النظام ، وإنما  تعود  المسلمون  نظام  البيعة  أيام  النبي  صلى  الله عليه  وسلم ، حين  كانوا  يبايعونه  على  الإسلام  بمكة  قبل  الهجرة ، وحين  بايعه  نقباء  الأنصار  على  أن  يؤووه  وينصروه  ويسمعوا  له  ويطيعوا ، وحين  كانوا  يبايعونه  على  مثل  ذلك  في  المدينة : يبايعه  الرجل  عن  نفسه  حين  يسلم ، ويبايعه  الوفد  عن  قومهم  حين  يسلمون . ثم  حين  بايع  أصحابه  على  الموت  يوم  الحديبية ، وبايعته  قريش  على  الإسلام  يوم  الفتح . ثم  تتامت  مبايعة  الوفود  له  عن  قومهم . فاستقر  في  نفوس  المسلمين  من  أجل  هذا  أن  الخلافة  عن  النبي  يجري  أمرها  مجرى  سلطان  النبي  في  حياته ، أي  تقوم  على  المبايعة .

              ونظرا  للفرق  الواضح  بين  النبي  وغيره  من  الناس  كان  هناك  فرق  في  نفوس  المؤمنين  بين  مبايعة  النبي  ومبايعة  الخلفاء ، فقد  كان  النبي  يوحى  إليه  ولم  يكن  يبايع  عن  نفسه  وحدها  حين  يبايع ، وإنما  كان  يبايع  عن  الله  الذي  أرسله  أولا  وعن  نفسه  بعد  ذلك  .

                ومن  أجل  هذا  قال  الله  عز  وجل  في  سورة  الفتح  بمناسبة  بيعة  الحديبية  :

               " إن  الذين  يبايعونك  إنما  يبايعون  الله . يد  الله  فوق  أيديهم ، فمن  نكث  فإنما  ينكث  على  نفسه ، ومن  أوفى  بما  عاهد  اللهفسيؤتيه  أجرا  عظيما " .

                 من  أجل  هذا  لم  يكن  لمن  يبايع  رسول  الله  أن  يتحلل  من  بيعته ، لا  لأنه  إن  فعل  كان  ناكثا  لعهده  مع  النبي  فحسب ، بل  لأنه  إن  فعل  كان  ناكثا  مع  ذلك  لعهده  مع  الله  عز  وجل . ولم  يكن  لمن  بايع  النبي  أن  يجادله  أو  ينكر  عليه  شيئا  مما  أنزل  الله  في  القرآن ، أو  مما  أنطق  نبيه  به  من  الوحي  في  تفصيل  ما  أجمل  القرآن ، وفي  تعليم  الناس  ما  يقيم  أمورهم  في  الدين  والدنيا  .

                 فأما  إذا  شاورهم  في  أمر  لم  ينزل  فيه  قرآن ، ولم  يؤمر  النبي  فيه  بأمر  من  السماء ، فلهم  أن  يشيروا  عليه ، وأن  يقترحوا  عليه  كذلك  غير  ما  هم  بفعله ، كالذي  كان  حين  أنزل  النبي  صلى  الله  عليه  وسلم  منزلا  يوم  بدر  فسأله  الخباب  بن  منذر  بن  الجموح : أهذا  منزل  أنزلكه  الله  عز  وجل  أم  الرأي  والمشورة ؟  فلما  قال  له  النبي : بل  هو  الرأي  والمشورة . أشار  عليه  بمنزل  آخر  هو  أصلح  للمسلمين . فقبل  مشورته  .

              أما  بيعة  الناس  للخلفاء  فهي  عقد  بينهم  وبين  هؤلاء  الخلفاء ، لا  يجوز  لخليفة  أن  ينقضه ، ولا  يجوز  لأحد  من  الرعية  أن  ينقضه  أيضا . لأن  الله  يأمر  بالوفاء  بالعهد  في  غير  موضع  من  القرآن . فيقول  مثلا  في  سورة  النحل :

              " وأوفوا  بعهد  الله  إذا  عاهدتم  ولا  تنقضوا  الأيمان  بعد  توكيدها  وقد  جعلتم  الله  عليكم  كفيلا . إن  الله  يعلم  ما  تفعلون . ولا  تكونوا  كالتي  نقضت  غزلها  من  بعد  قوة  أنكاثا ، تتخذون   أيمانكم  دخلا  بينكم  أن  تكون  أمة  هي  أربى  من  أمة ، إنما  يبلوكم  الله  به ، وليبينن لكم  يوم  القيامة  ما  كنتم  فيه  تختلفون " .

                ويقول  في  سورة  الأسراء :
                 " وأوفوا  بالعهد  إن  العهد  كان  مسئولا " .

                  ويجعل  الوفاء  بالعهد  خصلة  من  خصال  البر  التي  عددها  في  الآية  الكريمة  من  سورة  البقرة :
                  " ليس  البر  أن  تولوا  وجوهكم  قبل  المشرق  والمغرب ، ولكن  البر  من  آمن  بالله  واليوم  الآخر  والملائكة  والكتاب  والنبيئين  وآتى  المال  على  حبه  ذوي  القربى  واليتامى  والمساكين  وابن  السبيل  والسائلين  وفي  الرقاب  وأقام  الصلاة  وآتى  الزكاة  والموفون  بعهدهم  إذا  عاهدوا  والصابرين  في  البأساء  والضراء  وحين  البأس . أولئك  الذين  صدقوا  وأولئك  هم  المتقون " .

             والخلافة  عهد  بين  الخليفة  ورعيته ، قوامه  أن  يلزم  الخليفة  نفسه  أن  يعمل  بكتاب  الله  وسنة  رسوله ، وأن  ينصح  للمسلمين  ما  استطاع  إلى  ذلك  سبيلا ، وأن  يطيع  المسلمون  أوامر  الخليفة  ويجتنبوا  ما  ينهى  عنه  في  هذه  الحدود ، فإن  نكث  الخليفة  عهده  فسار  في  المسلمين  سيرة  ينحرف  بها  عن  كتاب  الله  وعن  سنة  رسوله ، وعما  التزم  من  النصح  للمسلمين  فلا  طاعة  له  على  رعيته ، ومن  حق  هذه  الرعية  أن  تطالبه  بالوفاء  بما  أعطى  على  نفسه  من  عهد ، فإن  استقام  فذاك  وإلا  فللمسلمين  أن  يبرءوا  منه  وأن  يلتمسوا  لهم  خليفة  غيره . وإذا  بغى  بعض  الرعية  فنقض  عهده  الذي  أعطاه  للخليفة  بالسمع  والطاعة  وجب  على  الخليفة  أن  يراجعه  في  ذلك ، فإن  فاء  إلى  أمر  الله  وأوفى  بالعهد  فذاك  وإن  أبى  وجب  على  الخليفة  أن  يقاتله  حتى  يفيء  إلى  أمر  الله  .

              من  أجل  هذا  كله  قال  أبو بكر  في  خطبته  التي  تروى  عنه  إثر  بيعته :" إن  أحسنت  فأعينوني  وإن  أسأت  فقوموني " .
              ثم  قال  بعد  ذلك :" أطيعوني  ما  أطعت  الله  ورسوله ، فإن  عصيت  الله  ورسوله  فلا  طاعة  لي  عليكم " .
                وليس  بد  من  أن  تتم  البيعة  بين  الخليفة  والممثلين  للمسلمين  من  أعلام  الأمة  وقادتها  حتى  حين  يوصي  الخليفة  القائم  لرجل  من  بعده ، كائنا  من  يكون  هذا  الرجل .

               وقد  استخلف  أبو بكر  عمر  في  مرضه  الذي  توفى  فيه ، ولكنه  لم  يطمئن  إلى  وصيته  حتى  استشار  فيها  نفرا  من  أصحاب  رسول  الله ، ثم  أمر  عثمان  أن  يسأل  جماعة  المسلمين : أتبايعون  لمن  في  هذا  الكتاب ؟ فلما  قالوا : نعم ، اطمأنت  نفس  أبي بكر  وأرسل  إلى  عمر  فنصح  له  ووصاه  بما  أراد  .

              وكل  هذا  لم  يلزم  المسلمين  طاعة  عمر  بعد  وفاة  أبي بكر ، وإنما  وجب  على  الخليفة  أن  يعطيهم  العهد  ليعملن  بكتاب  الله  وسنة  رسوله  ولينصحن  للمسلمين  ما  استطاع ، ووجب  على  المسلمين  أن  يعطوه  العهد  على  أنفسهم  بالسمع  والطاعة  في  الحدود  التي  التزمها .

               ولما  طعن  عمر  وجعل  الشورى  في  أولئك  الستة  من  أصحاب  رسول  الله  على  أن  يختاروا  من  بينهم  رجلا  يكون  هو  الخليفة ، لم  تكن  وصية  عمر  إلى  هؤلاء  الستة  معفية  للخليفة  من  أن  يعطي  هذا  العهد  على  نفسه ، وأن  يأخذ   من  المسلمين  العهد  على  أنفسهم ، على  النحو  الذي  بينته  آنفا  .

                فلم  يكن  استخلاف  أبي بكر  لعمر  إلا  ترشيحا  له ، ولم  يكن  ما  انتهى  إليه  أمر  الشورى  من  اختيار  عثمان  إلا  ترشيحا  له  أيضا ، وكلا  الرجلين  لم  يستطع  أن  يقوم  بشيء  من  أمور  المسلمين  إلا  بعد  أن  تمت  البيعة  بينه  وبينهم  .

               فالبيعة  إذن  هي  الركن  الأساسي  للخلافة ، ومن  أجل  هذا  كره  المسلمون  في  صدر  الإسلام  أن  تنتقل  الخلافة  من  الآباء  إلى  الأبناء  بالميراث  على  نحو  ما  كان  الأكاسرة  يصنعون  .

             ولم  يكن  بد  من  هذا  الإستطراد  المسرف  في  الطول  لأبين  أن  ما  يروى  عن  عمر  لم  يكن  طعنا  في  خلافة  أبي بكر ، ولا  يمكن  أن  يكون  وسيلة  إلى  الطعن  فيها  لأن  ما  تم  في  سقيفة  بني ساعدة  من  ابتداء  البيعة  لأبي بكر  لم  يلزم  سائر  المسلمين ، ولم  يكن  من  شأنه  أن  يلزمهم  حتى  يبايعوه  عن  اختيار  ورضى  .



                             طه  حسين : من كتابه  الشيخان (ص 24 ـ 48)