الأربعاء، 7 أغسطس 2013

عبد المالك الشملالي-هل يحق للرسول أن يعين خليفة ؟

 المؤمن  حين  يخوض  تجربته  الإيمانية ، ويشرع  في  تقمص  طباع  العبودية ، ويجتهد  في  الإنسلاخ  من  نفسه  وأمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، ومن  أفكاره  التي  تتوالد  من  أمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، ويجتهد  في  تبصره  لإرادة  الله  وقوته  القاهرة  التي  ترغم  كل  شيء  ولا  يقف  شيء  أمامها ، حتى إذا  أبصرها  وظهرت  له  مظهر  العين ، اجتهد في لباسها  وتقمصها  والتحرك  وفقها  والتدريب  عليها ، وهو  بهذه  التجربة  سيتميز  عن  الناس  جميعا  مثلما  يتميز  الجندي  عن الناس  حين  يدخل  سلك  الجندية  تماما .

              وأثناء  خوضه  لهذه  التجربة  الرائعة  العظيمة ، فإنه  سيجد  في  طريقه  مشكلة  عويصة ، هي  مشكلة  العجز  عن  الوصول  .. فهو  قرر  أن  ينسلخ  من  أمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، وهو  يهفو  إلى  ذلك  ويحاول ، لكنه  لا  يتوصل  تماما  إلى  التخلص  من  أمانيه  ورغباته  ومخاوفه ، فيجد  نفسه  دائما  خليطا  من  الإستجابة  لإرادة  الله  ومن  الإستجابة  لرغبات  نفسه ، يجد  نفسه  يتراوح  بين  النداءين  اللذين  يناديانه  من  داخله : نداء  الله  ونداء  النفس . فهو  قرر  أن  ينسلخ  تماما  من  رغبات  النفس  نحو  الإستسلام  لإرادة  الله  القاهرة  وتقمصها ، لكنه  يجد  أن  لنفسه  قوة  لا  يستهان  بها ، فهي  لديها  وسائلها  الخاصة  تستعملها  مع  صاحبها  الذي  يتنكر  لها  ويعصيها  ويتحفز  إلى  طلاقها  لتسترجعه  وتثنيه  عن  عزمه .

                 وهكذا  يقضي  حياته  كلها  في  مجاهدتها ، فيفلح  في  إيقافها  ما دام  يجاهدها ، لكنه  لا  يفلح  أبدا  في  القضاء  عليها . وإذا  فترت  مجاهدته  لها  وغفل  قليلا  عنها ، فإنه  لن  يشعر  إلا  ونفسه  قد  استدرجته  وعرته ـ في  صمت  وغفلة  منه  ـ من  لباس  الله ، وألبسته  لباسها ، فيعود  من  جديد  إلى  حالته  الأولى  قبل  أن  يبدأ  تجربته  الإيمانية ، فيصبح  شعوره  مثل  شعور  الجندي  الذي  طرد  من  ثكنة  الجندية ، يشعر  أنه  لم  يعد  يعيش  قرارات  رئيسه ، وأنه  عاد  إلى  حضيضه  ليكون  مثل  الناس  من  جديد ، لهذا  نصح  أحد  المتصوفين  المجاهدين  لأنفسهم  قائلا :" وحاسب  النفس  على  الأنفاس "  .

           هذه  هي  حالة  المؤمن  الصادق  مجملا ، التقوى  تعريه  من  إرادة  نفسه  وتلبسه  إرادة  الله ، والتقوى  تضعف  وتقوى ، وسلوك  المؤمن  يتكون  حسب  ضعف  التقوى  وقوتها  .

             والرسول  عليه  ألف  صلاة  وسلام ، أكثرنا  تبصرة  وفهما  لقوة  الله  القاهرة ، أكثرنا  وأكثر  من  صحابته  فهما  بأن  الله  غالب  على  أمره  بينما  نفسه  مغلوبة  على  أمرها ، أكثرنا  ركونا  إلى  قوة  الله  القاهرة  واستسلاما  لها  وتوكلا  عليها ، وأكثرنا  شكا  في  قوة  نفسه  اللهفانة  الحمقاء ، التي  تريد  دائما  أن  تنال  ما  لا  تقدر  عليه ، فتسقط  صاحبها ـ إن  تبعها ـ في  المهالك ، ويفهم  بوضوح  كالشمس  أن  النفس  تأمر  بالسوء ، وتنتصر  لكبريائها  فتسول  صاحبها  الإفساد ،  وإذا  ركن  إليها  فإنه  لا يكاد   يحصل  منها  إلا  على  الأوامر  السيئة .. الرسول  أكثر  كفرا  بنفسه  منا  بنفوسنا ، لأنه  أعلم  منا  بمصائبها ، وأكثر  تشبثا  بإرادة  الله  منا ، لأنه  أعلم  منا  بحسنات  ذلك ، وأعلم  منا  كم  أن  الله  يعلم  وكم  أن  نفوسنا  لا  تعلم ، لذلك  يكون  فهمه  لآيات  الله  وإرادته  أكثر  صوابا  وأشد  عمقا  من  فهمنا .

             وإرادة  الله  جل  جلاله  مسجلة  في  كتابه  المكنون ، والرسول  تنكر  لإرادته  واستبدلها  بإرادة  ربه ، تمكن  من  إغلاق  كتاب  نفسه  لا  يقرأ  فيه  شيئا ، وهرع  إلى  كتاب  ربه  وغاص  فيه  بالكلية ، لا  يُكون  أفكاره  ولا  رغباته  ولا  مخاوفه  إلا  مما  يوحي  له  ذلك  الكتاب ، قال  تعالى :" إن  أتبع  إلا  ما  يوحى  إلي " (الأنعام 50)، ولشدة  تطبيقه  لهذه  الآية  وصفته  زوجته  عائشة  بأنه :" كان  خلقه  القرآن " ..  فالناس  يرون  جسد  محمد  يتحرك ، والحقيقة  أن  القرآن  هو  الذي  كان  يتحرك  في  داخله  .

             وبهذه  الحالة ـ من  انسلاخ  كامل  من  إرادته  الخاصة  وتقمص  كامل  لإرادة  الله ـ  التي  وصفنا  بها  الرسول ، سنقوم  إن  شاء  الله  بدراسة  سلوك  الرسول  مع  الأحداث  التي  كان  عليه  أن  يعالجها  في  حياته  العامة  والخاصة ، وسندرس  هنا  على  غرار  ذلك  إن  شاء  الله  سلوكه  الذي  اتبعه  في  قضية  تعيين  خلف  له  في  الحكم  .

            1 ـ     نزلت  هذه  الآية  على  رسول  الله  (ص) :" قل  اللهم  مالك  الملك ، تؤتي  الملك  من  تشاء ، وتنزع  الملك  ممن  تشاء " (آل عمران 26) ، ففهم  أن  أمر  الملك  أمر  رباني  لا دخل  للإنسان  فيه ، وأن  الملك  مثل  الرزق  والذرية  والعز  والنفع  والضر  والحكمة  والهداية  والألفة  وغيرها ... هبات  يهبها  الله  لمن  يريد  من  عباده ، وينزعها  ممن  يريد  من  عباده ، ولا  يمكن  لإنسان  ولا  لرسول  ولا  لأي  جهة  أخرى  أن  يهبها  لإنسان  آخر ، وإذا  حاول  أن  يفعل  ذلك ، فإنه  يتدخل  في  اختصاص  من  اختصاصات  الله ، ويتحدى  إرادته ، ويتطفل  عليها ، ولن  يجني  من  ذلك  سوى  غضب  الله  وازدراءه ، وتبقى  إرادة  الله  تجاه  عبده    سائرة  المفعول  لا  يقف  في  طريقها  شيء ، ولا  تبالي  بشيء . إنها  القدر  العاصف  الذي  يدمر  كل  شيء  وقف  في  طريقه ، ولا  يبالي  بالمتدخلين  فيما  لا  يعنيهم  .

             هذه  الآية  من  الآيات  التي  توزع  الإختصاصات  بين  الله  والعبد ، وبالمناسبة ، فإن  توزيع  الإختصاصات  في  القرآن  علم  ما زال  غائبا  علينا ، لم  ينهض  إليه  أحد  منا  لا  في  القديم  ولا  في  الحديث  لاستخراجه  من  القرآن ، لذا  اختلطت  الإختصاصات  لدى  الكثير  من  المؤمنين ، فيرجعون  أشياء  يختص  بها  الله  جل  جلاله  إلى  رسول  الله  أو  إلى  أوليائه ، وهذا  جهل  خبيث  من  شأنه  أن  يتطور  ويتحول  إلى  سمة  من  سمات  الشرك  .

              وهذا  الخلط  في  الإختصاصات  يحدث  كثيرا  للناس ، ويتحولون  أحيانا ، إذا  تقوى  عندهم ، إلى  أرباب  على  الناس  محل  رب  العزة  سبحانه  وتعالى ، يأمرون  وينهون ، ويقتلون  ويحيون  كما  تمليه  عليهم  أهواؤهم ، ومن  هذا  الخلط  ظهر  جميع  الطغاة  في  التاريخ  ..  ولم  ينج  حتى  الأنبياء  من  هذا  الخلط  في  الإختصاصات ، ولو  بدرجة  ضعيفة .

              ولقد  تعرض  نوح  لهذا  الخلط  حين  أصر  على  هداية  ابنه ، ثم  إنقاذه  من  الهلاك ، فأراد  أن  يتحدى  كل  شيء  من  أجل  تحقيق  ذلك ، ودفعه  الحب  الأبوي  الجارف  إلى  أن  يتجاوز  الحدود ، وكم  من  مصيبة  دينية  سببها  الحب  الأبوي ..  يقول  الله  عز وجل  يقص  على  نبيه  وهو  ما زال  في  مكة  قصتهما :" ونادى  نوح  ابنه ـ وكان  في  معزل ـ يا  بني  اركب  معنا  ولا  تكن  مع  الكافرين . قال : سآوي  إلى  جبل  يعصمني  من  الماء . قال : لا عاصم  اليوم  من  أمر  الله  إلا  من  رحم . وحال  بينهم  الموج  فكان  من  المغرقين . وقيل  يا  أرض  ابلعي  ماءك  ويا  سماء  أقلعي . وغيض  الماء  وقضي  الأمر . واستوت  على  الجودي . وقيل : بعدا  للقوم  الظالمين . ونادى  نوح  ربه  وقال : رب  إن  ابني  من  أهلي ، وإن  وعدك  الحق ، وأنت  أحكم  الحاكمين . قال : يا  نوح ، إنه  ليس  من  أهلك ، إنه  عمل  غير  صالح ، فلا  تسألني  ما  ليس  لك  به  علم ، إني  أعظك  أن  تكون  من  الجاهلين . قال : رب  إني  أعوذ  بك  أن  أسألك  ما  ليس  لي  به  علم ، وإلا  تغفر  لي  وترحمني  أكن  من  الخاسرين " (هود 42 ـ 47) .  أراد  نوح  أن  ينقذ  ابنه  بكل  ما  أوتي  من  إصرار ، فلما  تباطأ  ابنه  عن  الإستجابة  لإلحاح  أبيه ، أسرع  إليه  الموج  فاختطفه  من  بين  يديه  وألقى  به  إلى  الأعماق .  فلم  تتركه  شعلة  الحب  لإبنه  يستسلم  لقدر  الله  الغالب ، وانتقل  إلى  ربه  يلح  عليه  في  إرجاع  ابنه  إليه ، فكانت  الحقيقة  قوية  صدمت  نوح  بعنف  وهزت  كيانه  فجعلته  يرتعد  كالعصفور  الذي  يتنفس  أنفاسه  الأخيرة ..  لا  تتعدى  على  اختصاصي ، ولا  تتصرف  تصرف  الجاهلين ، والزم  حدك ، ولا  تتدخل  في ما  لا  يعنيك  قبل  أن  يصيبك  مني  ما  تكره  .

            ولقد  تعرض  رسولنا  عليه  الصلاة  والسلام  لنفس  الخلط  الذي  تعرض  له  نوح ، فقد  كان  عمه  أبو طالب  بمثابة  أبيه ، رباه  في  صغره  وصاحبه  في  كبره  ودافع  عنه  بكل  شيء  لما  تصدى  قومه  لدعوته ..  فأحب  محمد  كثيرا  أن  يهدي  عمه  سواء  السبيل ، لكن  عمه  المحب  الذي  لم  يرفض  أي  طلب  لإبن  شقيقه  المحبوب ، رفض  له  هذا  الطلب ، وهو  الطلب  الوحيد  الذي  رفضه  له .  وأصر  الرسول ، لكن  إصرار  عمه  غلب  في  الأخير ، فمات  على  شركه ، فحزن  الرسول  كثيرا ، ورفض  هذا  القدر  الذي  مني  به  عمه ، فنزلت  الآية  توقظه  من  غلطه  وتوعظه :" إنك  لا  تهدي  من  أحببت ، ولكن  الله  يهدي  من  يشاء " (القصص 56) . فأفاق  الرسول  من  غفلته ، وفهم  بالتحقيق  أن  قدر  الله  لا يقف  أحد  مهما  كان  في  طريقه . وفهم  أن  ما  يعطيه  الله  للناس ، لا  يمكن  ولا  يحق  لأحد  أن  يحل  محل  الله  فيعطيه  للناس ، وأخذ  الرسول  يحترم  جيدا  هذا  الإختصاص ، ويعرف  جيدا  متى  يقف  عند  حده  .


             2 ـ    ونزلت  هذه  الآية  كذلك  عليه ، لتعطيه  بعض  الدروس  في  الحكم :" ألم  تر  إلى  الملإ  من  بني إسرائيل  من  بعد  موسى ، إذ  قالوا  لنبيهم : ابعث  لنا  ملكا  نقاتل  في  سبيل  الله . قال : هل  عسيتم  إن  كتب  عليكم  القتال  ألا  تقاتلوا ؟ قالوا : وما لنا  لا  نقاتل  في  سبيل  الله  وقد  أخرجنا  من  ديارنا  وأبنائنا ؟ فلما  كتب  عليهم  القتال  تولوا  إلا  قليلا  منهم ، والله  عليم  بالظالمين . وقال  لهم  نبيهم : إن  الله  قد  بعث  لكم  طالوت  ملكا " (البقرة 246 ـ 247)  .  وفهم  الرسول  أن  هذه  الآية  لم  تنزل  عبثا ، بل  لتريه  أن  عملية  تعيين  الحاكم  لا  تكون  اعتباطية  أو  من  دون  أحكام  تنزل  من  السماء .

                   فعملية  التعيين  تبدأ  أولا  برغبة  الملأ ، أي  النخبة  التي  تمثل  المؤمنين ، في  الإنضواء  تحت  ملك  يحكمها ، وتجتمع  أهواؤهم  على  ذلك ، ثم  يشرعون  في  التماس  ذلك  الحاكم .  ولسبب  ما ، وربما  لخشية  اختلافهم  على  اختيار  الحاكم ، يلتجئون  إلى  نبيهم ، ثم  يطلبون  منه  أن  يسأل  ربه  ليختار  لهم  حاكمهم . أما  قبل  أن  يسألوه  ذلك  الإختيار ، فلا  يحق  للنبي  أن  يأمرهم  باختيار  حاكم  لهم .  ولقد  مكث  النبي  صموئيل  في  بني إسرائيل  عشرات  السنين  يعلمهم  ويزكيهم ، وشاخ  بينهم ، ولم  يحدثهم  أبدا  عن  اختيار  الحاكم  ولو  ببنت  شفة ، حتى  إذا  كانت  أواخر  حياته ، ظهر  للملإ  أن  من  مصلحتهم  أن  ينصبوا  ملكا  عليهم ، فاجتمعوا  آنئذ  على  نبيهم ، وطالبوه  بذلك .

               ويحق  لهم  أن  لا  يخبروا  نبيهم ، إذا  وجدوا  في  ذلك  مصلحة  لهم ، ويقوموا  باختيار  ملك  عليهم  وتنصيبه  دون  أخذ  مشورته ، ولا  حرج  في  ذلك .  كما  يحق  لهم  أن  يلجأوا  إلى  نبيهم  ليختار  لهم  حاكمهم ، إذا  وجدوا  في  ذلك  مصلحة  لهم . ونلاحظ  أن  النبي  لا يستجيب  لهم  بسهولة ، وهو يراجعهم  ليستبين  مدى  جديتهم  في ما  يريدون . وكأن  بقاءهم  بدون  حاكم  أروح  لهم  وأهون ، ويغنيهم  عن  تحمل  مسئوليات  كثيرة  يفرضها  نظام  الملك .  لكنهم  يلحون  عليه  ويؤكدون  عليه ، ثم  هو  بدافع  إلحاحهم  يدعو  ربه ، ثم  يقوم  الرب ، إذا  استجاب  لهم ، باختيار  من  يريد ، ثم  إذا  اختار  الرب  أحدا  فلا  يحق  للملإ  أن  يعارض  ما  اختاره  الله  لهم .  وقد  لا  يختاره  الله  من  بينهم ، لأن  لله  معايير  للحكم  عادة  ما  لا  تكون  موافقة  للمعايير  التي  عند  الملإ . وهكذا  نخرج  من  هذه  الآية  بفكرة  مفادها ، أن  لا  يكون  تدخل  الله  في  اختيار  الملك  إلا  بطلب  ملح  من  الملإ .

               فالمبادرة  يجب  أن  تكون  من  الملإ  وليس  من  الرسول ، مما  يجعلنا  نقر  بأن  الملك  ليس  فريضة  على  الجماعة ، فرضه  الله  على  الناس  فلا  يحق  لهم  أن  يمتنعوا  عن  تنصيب  ملك  عليهم ، بل  الملك  داخل  في  الإباحة ، وللجماعة  الحرية  الكاملة  في  أن  تختار  لنفسها  ملكا  أو  تبقى  سائبة  لا  يحكم  عليها  أحد ، لهذا  لا  يحق  للرسول ـ مع  ما  يملكه  من  حق  الطاعة  عليهم ـ  أن  يفرض  عليهم  ما  لم  يفرضه  الله . فاختيار  الحاكم  ليس  من  الدين  في  شيء  ، وتكوين  دولة  منظمة  ليس من  الدين  في  شيء ، بل  هو  عقد  يتفق  عليه  الناس ، وقرار  يتخذونه  بينهم ، ولا  دخل  للدين  فيه . الملك  هو  طريقة  معينة  من  العيش ، مثلما  أن  السيبة  طريقة  أخرى  من  العيش ، وللجماعة  حق  الإختيار  بين  الطريقتين ، ولا  دخل  للدين  في  ذلك .

                  فإذا  اختار  الملأ  طريقة  السيبة ، وهي  طريقة  الفوضى ، فهم  آنئذ  ليس  عليهم  إلا  أن  ينصبوا  قضاة  يحكمون  في  نزاعاتهم  بأحكام  الله ، ويبقى  غير  ذلك  يتشاورون  فيه  ويتفقون  عليه .

                  أما  إذا  اختارت  طريقة  الملك ، فلها  أن  تختاره  من  تلقاء  نفسها ، عن  طريق  التشاور  والإتفاق  بينهم ، أو  إذا  كان  عندهم  نبي ، وخافوا  أن  لا  يتفقوا  على  حاكم ، وأرادوا  أن  يختاره  لهم ، آنئذ  يمكنهم  أن  يقصدوا  نبيهم  ويطالبونه  بمرادهم .

              والملأ  من  المؤمنين  يومئذ  هم  صحابة  الرسول  السابقين  من  المهاجرين  والأنصار .. وقرار  تكوين  دولة  أو  عدم  تكوين  دولة ، هو  قرار  من  اختصاص  الملإ  وليس  من  اختصاص  الرسول ، من  اختصاص  المهاجرين  والأنصار  وليس  من  اختصاص  محمد  (ص) ، ولهم  الحق  الكامل  في  أن  يختاروا  تكوين  دولة  تحت  ملك  ينهى  ويأمر  ويفرض  الضرائب ، أو  يختاروا  العيش  تحت  أمة  تجتمع  تحتها  جماعات  عديدة  تسير  نفسها  عن  طريق  إصدار  أوامر  جماعية  .

              ومكث  الرسول  بينهم  ثلاثة  عشر  يوما  وهو  يكابد  مرض  الموت ، ولم  يجتمع  أمر  الملإ  على  أن  يبحثوا  لأنفسهم  خليفة  يخلف  الرسول  عليهم  إذا  مات ، لم  يرغبوا  في  أن  يختار  الله  لهم  ..

                  فمن  يدري ، قد  يخرجها  الله  من  قريش  بالمرة ، ويختار  أسامة  بن  زيد  مثلا ، ألم  يختره  رسول  الله  لقيادة  الجيش ؟

                 وقد  يختار  عبد الله  بن  مسعود ، ألم  يقل  له  يوما ، كما  جاء  في  صحيح  البخاري :" لو  كنت  أؤمر  أحدا  من  غير  مشورة  لأمرت  ابن  أم عبد " ؟ ،

                 وقد  يختار  أحد  الأنصار ، ألم  يقل  لهم  يوما  كما  جاء  في  صحيح  البخاري :" لو  أن  الأنصار  سلكوا  واديا  أو  شعبا  لسلكت  في  وادي  الأنصار ، ولولا  الهجرة  لكنت  أمرأ  من  الأنصار " ؟ ،

                  أو  قد  يختار  عليهم  بلال  الحبشي ، ألم  يقل  لهم  يوما  كما  جاء  في  صحيح  البخاري :" اسمعوا  وأطيعوا  وإن  استعمل عليكم  عبد  حبشي  كأن  رأسه  زبيبة " ؟ .

                إنها  لمخاطرة  كبيرة  أن  يطالبوا  الرسول  بأن  يختار  لهم  ملكا . إن  معايير  الله  غالبا  ما  تكون  مخالفة  لمعاييرهم ، فليس  من  المصلحة  لهم  أن  يغامروا .

             ألم  تحدث  هذه  المفاجأة  المهولة  للملإ  من  بني إسرائيل ؟ فهم  لما  ألحوا  على  نبيهم  أن  يختار  لهم  حاكما ، ظنوا  جميعا  أنه  سيختار  واحدا  منهم ، فصعقوا  جميعا  لما  وجدوا  أنه  اختار  لهم  رجلا  لا يمت  إلى  ملإهم  بصلة . قال  تعالى :" وقال  لهم  نبيهم : إن  الله  قد  بعث  لكم  طالوت  ملكا . قالوا : أنى  يكون  له  الملك  علينا ، ونحن  أحق  بالملك  منه ، ولم  يؤت  سعة  من  المال ؟ قال : إن  الله  اصطفاه  عليكم ، وزاده  بسطة  في  العلم  والجسم ، والله  يؤتي  ملكه  من  يشاء ، والله  واسع  عليم " (البقرة 247) . ألم  تثبت  التجربة  في  بني  إسرائيل  أن  معايير  الله  غالبا  ما  لا  تكون  موافقة  لمعايير  الصحابة ؟

             لم  يجرؤ  الملأ  من  المؤمنين  أن  يخوضوا  تجربة  الملإ  من  بني إسرائيل ، لذلك  لم  يطالبوا  الرسول  باختيار  ملك  لهم ، وما  كان  للرسول  أن  يختار  لهم  وهم  لا  يطلبون  ذلك ..

              وقد  كاد  أن  يحدث  استثناء  على  هذا  الصمت  المطبق ، وفكر  العباس  بن  عبد  المطلب ، لما  أحس  أن  هوى  الناس  ليس  مع  علي ، وأن  جماعته  تشكل  الأقلية  في  المدينة ،  فكر  في  أن  يطالب  الرسول  باختيار  أمير  عليهم ، فعرض  اقتراحه  على  علي ، وألح  عليه ، لكن  علي  رفض  ذلك  بقوة .

               جاء  في  طبقات  ابن سعد ، عن  ابن عباس : أن  علي  بن  أبي طالب  خرج  من  عند  رسول  الله  (ص)  في  وجعه  الذي  توفى  فيه ، فقال  الناس : يا  أبا حسن ، كيف  أصبح  رسول  الله ؟ قال : أصبح  بحمد  الله  بارئا . قال  ابن عباس : فأخذ  بيده  العباس  بن  عبد المطلب  فقال : ألا  ترى ؟ أنت  والله  بعد  ثلاث  عبد  العصا . إني  والله  لأرى  أن  رسول  الله  (ص)  سيتوفى  في  وجعه  هذا ، إني  أعرف  وجوه  بني  عبد المطلب  عند  الموت ، فاذهب  بنا  إلى  رسول  الله  (ص)  فلنسأله  فيمن  هذا  الأمر  من  بعده ، فإن  كان  فينا  علمنا  ذلك ، وإن  كان  في  غيرنا  كلمناه  فأوصى  بنا . فقال  علي : والله  لئن  سألناها  رسول  الله  فمنعناها  لا  يعطيناها  الناس  أبدا . فوالله  لا  نسأله  أبدا  . (جزء 2 ـ صفحة 189) .   
     
               كان  العباس  متأكدا  بأن  رياح  الملك  ليست  في  جهتهم ، وأن  هوى  الناس  يحوم  حول  الثلاثي : أبو بكر وعمر  وأبو عبيدة  بن  الجراح ، لذلك  أراد  أن  يستعمل  ورقة  قرابته  من  الرسول  ليكسب  على  الأقل  مكسبا  سياسيا ، أراد  أن  يسحب  أمر  اختيار  الخليفة  من  أيدي  الملإ  ويضعه  في  أيدي  الله  ورسوله ، فيكون  الأمر  إذا  اختار  الله  عليا  كان  له  ما  أراد ، وإذا  اختار  غيره  سأله  العباس  أن  يوصي  الحاكم  المختار  بهم  خيرا ، فيكونون  من  المقربين  إليه  .

               لكن  عليا  تشاءم  من  هذا  الإقتراح  أكثر  مما  تشاءم  من  انتصار  الثلاثي  عليه ، وخاف  إن  سألها  ثم  منعها  الله  عنه ، فلن  تعطى  له  أبدا ، فلإن  يبقى  طامعا  فيها  ولو  انتصر  عليه  الثلاثي ، خير  من  أن  لا  يطمع  فيها  أبدا .. ففضل  أن  يلتزم  بالصمت  مثلما  فضل  الصحابة  تماما ، لقد  فضلوا  جميعا  أن  تكون  عن  طريق  العقد  والإتفاق  بينهم  على  أن  يسلموها  لله  ورسوله ، فكان  لهم  ما  أرادوا  .


            3 ـ    ونزلت  هذه  الآية  كذلك  على  رسول  الله :" وأمرهم  شورى  بينهم " (الشورى 38) ، فهناك  أمرُنا  وهناك  أمرُهم ، فأمرُنا  يشملنا  جميعا ، أما  أمرُهم  فيشملهم  وحدهم  ولا  يشملنا  معهم ، يشملهم  لأنه  يعنيهم  وحدهم ، ويتحملون  عواقبه  وحدهم .. لذا  حين  كان  أمرُ  الرسول  وأمرُهم  واحدا ، وما  يصيبهم  يصيبهم  جميعا ، أمر  الله  رسوله  قائلا :" وشاورهم  في  الأمر " (آل عمران 159) ، أي  لا  تقم  بعمل  يهمك  ويهمهم  قبل  أن  تأخذ  مشورتهم ، ويظهر  تنفيذ  هذه  الآية  بجلاء  في  غزوة  أحد ، لما  شاورهم  في  القرار  الذي  أراد  أن  يتخذه ، وهو  اختيار  المدينة  ساحة  للحرب ، وعارضه  الأنصار  وفضلوا  الخروج  إلى  العدو .  ولما  رأى  الرسول  أن  الرأي  الغالب هو الخروج  إلى  الأعداء ، تنازل  عن  رأيه ، وأخذ  برأي  الأغلبية .

                 هذا  حين  يكون  أمرُ  الرسول  وأمرُهم  واحدا ، يتحملون  عواقبه  جميعا ، أما  حين  يكون  أمرُهم  وحدهم ، يتحملون  عواقبه  وحدهم ، فالمشاورة  آنئذ  تكون  بينهم ، ولا  تشمل  غيرهم .:" وأمرهم  شورى  بينهم " (الشورى 38)  .

                 وخلافة  الرسول  في  الحكم ، لا  تكون  إلا  بعد  موت  الرسول ، إذن  فأمرُها  لا  تشمله ، لأن  عواقبها  لا  تطاله ، إذن  فهو  ليس  داخلا  في  الشورى .  وهو  لم  يكن  له  الحق  في  أن  يكون  مسيطرا  عليهم  في  حياته ، قال  له  ربه  عز وجل :" إنما  أنت  مذكر ، لست  عليهم  بمسيطر " (الغاشية 21) ، ولم  يعنفهم  يوما  ولم  يرغمهم  على  اتباع  رأيه ، قال  تعالى  يذكره :" فبما  رحمة  من  الله  لنت  لهم "  (آل عمران 199) ،  فكيف  يكون  له  الحق  في  أن  يكون  مسيطرا  عليهم  بعد  مماته ، ويرغمهم  على  اتباع  رأي  تطالهم  عواقبه  دونه ؟ هذا  لا  يكون  أبدا .

              فالشورى  شورة  من  تطالهم  عواقبها ، ولا  يحق  لمن  لم  تطاله  عواقبها  أن  يشارك  فيها ، وإلا  إذا  كان  هذا  المبدأ  يجوز ، فإنه  يحق  للأمم  أن  تتدخل  في  شؤون  الأمم  الأخرى ، وهذا  باطل .

            والرسول  كان  يشاور  ملأه  ثم  يتخذ  قراره  الذي  اتفقوا  عليه ، وهذا  هو  الصواب ، أما  أن يجمعهم  ثم  يعين  عليهم  خلفا  له  دون  أن  يشاورهم ، فهذه  هي  السيطرة  التي  نهاه  الله  عن  مزاولتها ، بالإضافة  إلى  أنها  وصية ، لأنه  أمر  ينفذ  بعد  موته ، ولا  يحق  له  أن  يوصي  إلا  في  ماله  الخاص ، والحكم  هو  شأن  عام  وليس  مالا  من  ماله  الخاص  .

               كان  مريضا ، لكنه  كان  ما زال  حيا ، لذا  كان  يصدر  أمرا  تلو  الآخر  لنفاذ  جيش  أسامة ، وهذا  حق ، لأنه  سينفذ  في  حياته  وتحت  حكمه ، ولذا  أمر  أبا بكر  بالصلاة  بالناس ، وهذه  الصلاة  تقام  في  حياته  وتحت  حكمه ، وليس  في  هذين  الأمرين  شيئا  من  الوصية ، ولكن  أن  يصدر  أمرا  يعين  فيه  من  يحكم  عليهم  غدا  بعد  موته ، فهذه  وصية ، ولا  يحق  له  أن  يوصي  إلا  في  أمواله  الخاصة ، والحكم  ليس  من  ماله  الخاص ..

                وحتى  لو  افترضنا  جدلا  أن  يكون  له  الحق  في  أن  يصدر  هذه  الوصية ، آنئذ  ستكون  فاطمة  وولداها  الحسن  والحسين  هم  أصحاب  الحق  في  هذه  الوصية ، لأن  الله  تعالى  حدد  الوصية  في  الأقربين  وليس  في  الأقارب ، وقال : " أنما  الوصية  للوالدين  والأقربين " (البقرة 180) ، فالأقرب  إلى  رسول  الله  يومئذ  هي  ابنته  وحفدته  .

                لهذه  الأسباب  الثلاثة ، وربما  لأسباب  أخرى  لم  أقف  عليها ، التزم  الرسول  الحكيم  بالصمت  تجاه  من  يخلفه  في  الحكم ، مع  كثرة  ما  أوصى  وأمر  وتكلم  ونصح   في  أيام  مرضه  الثلاثة  عشر ، ولهذه  الأسباب  قرر  الصحابة  أن  يسكتوا  عن  رسول  الله  ولا  يسألونه  أن  يعين  أحدا  منهم  عليهم ، وفضلوا  أن  يجعلوها  شورى  بينهم   .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق